فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 75

تُبعث في نسَبِ قومها، وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت: أنْ لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلتُ رجل يأْتسي بقولٍ قيلَ قبله، وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرتَ: أنْ لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملكٍ، قلت: رجل يطلب مُلك أبيه، وسألتك: هل كنتم تتَّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أنْ لا، فقد أعرِفُ أنه لم يكن ليَذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك: أشراف الناس اتَّبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت: أن ضعفاءَهم اتَّبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت: أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك: أيرتدُّ أحد سُخْطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت: أنْ لا، وكذلك الإيمان حين تُخالط بشاشتُه القلوبَ، وسألتك: هل يَغدِر؟ فذكرت: أنْ لا، وكذلك الرسل لا تَغدِر، وسألتك: بم يأمركم؟ فذكرت: أنه يأمركم أن تَعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا، فسيَملك موضع قدَمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظنُّ أنه منكم، فلو أني أعلم أني أَخلُص إليه، لتجشَّمت لقاءه، ولو كنت عنده، لغسَلت عن قدمه، ثم دعا بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بعَث به دِحية إلى عظيم بُصرى، فدفعَه إلى هرقل، فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هِرَقل عظيم الروم، سلام على مَن اتَّبع الهدى.

أما بعدُ:

فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلِم تَسلَم، يُؤتك الله أجرك مرتين، فإن تولَّيت، فإن عليك إثم الأريسيين، و {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] .

قال أبو سفيان: فلمَّا قال ما قال، وفرَغ من قراءة الكتاب، كَثُر عنده الصَّخب وارتفعت الأصوات، وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِرَ أمْرُ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام، وكان ابن النَّاطور صاحب إيليا وهرقل أُسقُفًّا على نصارى الشام، يُحدِّث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيثَ النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك؟ قال ابن الناطور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت