وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف، وليس كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله .." [1] ."
وعلى سبيل المثال: إن المؤمنين يجب عليهم الصبر وتحمل الأذى في كل عصر أو زمن سمته الاستضعاف والاضطهاد للعصبة المؤمنة طالما افتقدت القدرة على القتال أو كانت المصلحة الشرعية أرجح في جانب الصبر والصفح، ولا سبيل إلى القول بنسخ الصبر على الأذى بعد الأمر بالقتال في العهد المدني، حيث ارتبط الحكم بعلة تدور معه وجودًا وعدمًا.
كما ينبغي أن يوضع في الاعتبار اختلاف مقام الاحتجاج لتأصيل الأحكام الشرعية، عن مقام تلمس الدروس التربوية وأخذ العبر والمواعظ.
ففي مقام الاحتجاج لتأصيل الأحكام الشرعية لا بد من اتباع المنهج العلمي الصحيح في التلقي والاستدلال، وتطبيق القواعد الخاصة بالتعامل مع النصوص الشرعية في جهة الثبوت وفي جهة الدلالة على النحو الذي قرره علماء الأصول.
وأما في جهة الاعتبار والاتعاظ فلا شك أن المرحلة المكية غنية جدًا بالدروس والعبر والمواعظ والفوائد التربوية والقواعد المنهجية التي يحتاج إلى دراستها كل داعية إلى الله في كل زمان ومكان، ولا بد من تلمس تلك الحكم والفوائد والقواعد بعد تحقيق الأحداث ودراستها بشكل منهجي منضبط، ولكنه لا يماثل في صرامته ودقته مقام الاحتجاج.
(1) الإتقان في علوم القرآن (2/ 326 - 327) ، السيوطي، دار الفكر بيروت.