سار المنهج التربوي النبوي في العهد المكي بشكل متدرج، يسير بالناس سيرًا لطيفًا دقيقًا، حيث بدأ بمرحلة الاصطفاء والتأسيس، والدعوة السرية، فقد أخذت الدعوة في الثلاث سنوات الأولى طابع السرية حفاظًا عليها، ووجهت الدعوة في هذه المرحلة إلى المقربين والمأمونين الموثوقين، ولم يحدث خلال هذه المرحلة أي صدام مع المجتمع الجاهلي، ولم تدخل هذه الثلة المؤمنة في صراع ومواجهة مع أعدائها من الكفار. [1]
ثم ما لبثت الدعوة السرية أن انقضت بنزول آية:"وأنذر عشيرتك الأقربين" [الشعراء / 214] فدخلت الدعوة طورها الثاني وهو الجهر بالدعوة باللسان فقط دون قتال، واستمرت هذه الفترة عشر سنوات حيث امتدت إلى الهجرة المباركة .... وجاءت بعد ذلك مرحلة المواجهة والمقاومة، ثم مرحلة النصر والتمكين، وما كان يمكن أن تبدأ هذه جميعها في وقت واحد، وإلا كانت المشقة والعجز, وما كان يمكن كذلك أن تقدم واحدة منها على الأخرى، وإلا كان الخلل والإرباك.
ولا غرو أن لكل مرحلة معطياتها ومقتضياتها، فالدعوة في أولها تحتاج إلى الهدوء والاستقرار والتركيز على تثبيت الإيمان وتعليمه وتزكية النفوس وتطهيرها من رجس الجاهلية، وهذه المرحلة هي الأساس الذي تبنى عليه المراحل الأخرى.
وتأمل قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:"إنما نزل أول ما نزل من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدًا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدًا لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب"بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر"وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده [2] ."
(1) انظر: المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير الغضبان، (1/ 3) .
(2) البخاري (4/ 1910) ، وانظر: شعب الإيمان للبيهقي (2/ 431) .