رغم ما يقوم بين أهل الحق وأهل الباطل من خصومة وعداوة وربما حروب شرسة لا هوادة فيها إلا أن أهل الحق والإيمان يحبون الخير لأعدائهم ويتمنون لهم الهداية من الله، ويحرصون أشد الحرص على استنقاذهم من عذاب الله الذي ينتظرهم في الآخرة إن هم أصروا على كفرهم وعنادهم.
إن انطلاق الدعاة من الشعور بالشفقة على الكفار، والرغبة في هدايتهم وإنقاذهم من هوة الضلال، ومحبة الهداية لكل البشر يساعدهم كثيرًا على أداء وظيفتهم الدعوية على أكمل وجه، فإن هذه المشاعر المخلصة السامية هي الدواء الشافي لأمراض الهوى والانتصار للذات، وهي الدرع الواقي من الاندفاع خلف تحصيل حظوظ النفس بقطع النظر عن المصلحة الشرعية.
من هذا المنطلق كان المؤمنون في مكة يتحملون ما ينالهم من الأذى بكل ألوانه والنكال بجميع أشكاله وهم في أشد الحرص على مواصلة الدعوة وهداية جلادهم إلى الإسلام وإنقاذه من المصير البئيس الذي ينتظره إن بقي على كفره.
لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه -كما ذكرنا من قبل- من أكثر الناس إيذاء للمسلمين وأشدهم محاربة لدين الله، حتى إنه كان يعذب المؤمنين ليفتنهم عن دينهم، حتى قال سعيد بن زيد ابن عمه وزوج أخته:"والله لقد رأيتنى وإن عمر لموثقى على الإسلام قبل أن يسلم" [1] .
وكانت لبيبة جارية بني مؤمل بن حبيب بن عدي بن كعب قد أسلمت قبل إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان عمر يعذبها حتى تفتن ثم يدعها ويقول: إني لم أدعك إلا سآمة، فتقول: كذلك يفعل الله بك إن لم تسلم، فاشتراها أبو بكر فأعتقها [2] .
(1) أخرجه البخاري (3573)
(2) انظر: سيرة ابن هشام (1/ 319) ، والرحيق المختوم ص 108، محمد رسول الله (1/ 115) .