إن الاختلاف مع الكفار في العقيدة والمنهج والمنطلقات والمبادئ لايعني بالضرورة مخالفتهم في كل المواقف العملية والواقعية؛ لأن كفر الكافر ليس معناه أنه لا يصيب في أي شيء، وأن كل أفعاله وتصرفاته خاطئة ولا بد، بل قد يحسن الكافر ويكون لديه شيء من الحق وعندها لا بد من إقراره على ما لديه من حق وهذا هو مقتضى العدل والإنصاف.
فإن هناك جملة من المبادئ الإنسانية والاجتماعية لا يختلف البشر في الجملة على استحسانها ودعمها نحو: الكرم وإغاثة الملهوف ومناصرة المظلوم ومساعدة المحتاج ورحمة المخلوقات، فإن وجد من يدعو لمبدأ من هذه المبادئ فلا بأس بمناصرته والتأكيد على أن الإسلام يدعو لهذه المبادئ السامية.
روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه" [1] .
والمراد بهذا الحلف حلف الفضول وكان في دار عبد الله بن جدعان كما رواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عبد الله عن محمود وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت به في الإسلام لأجبت تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعز ظالم مظلومًا".
قالوا: وكان حلف الفضول قبل المبعث بعشرين سنة، وهو أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب.
وكان سببه أن رجلًا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عنه حقه فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف عبد الدار ومخزومًا وجمحًا وسهمًا وعدي بن كعب فأبوا أن يعينوا على
(1) أحمد (1567) ، وصحيح ابن حبان (10/ 216) .