فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 113

سابعًا: التربية بالثبات واليقين.

إن الثبات على الحق هو أهم مظاهر الانتصار وأجل أشكاله، فإن أعظم نصر يحرزه أعداء الدين هو تحويل مسار الدعوة، أو إجبار أصحابها على التنازل عن جزء من مبادئها.

ولا شك أن أهل الحق يجمعون في دعوتهم أمورًا تعد من الثوابت التي لا يمكن أن يتنازل عن جزء منها ولا يصح تغييرها أو تبديلها، ولا يجوز أن تكون مادة للتفاوض أو المساومة، مثل العقيدة والمبادئ والأصول الشرعية.

كما يحملون أيضًا أمورًا تعد من المتغيرات التي يرجع فيها إلى النظر إلى المصالح والمفاسد والاجتهاد، وتختلف الأنظار فيها بحسب الزمان والمكان والأحوال مثل وسائل الدعوة وأساليبها.

ومن الضروري الحرص على الثبات على هذه الثوابت وعدم التراجع عن شيء منها مهما كلف الأمر من عناء ومكابدة ومجاهدة، وفي مثل ذلك تبذل الأرواح وتراق الدماء رخيصة، وهذه هي حقيقة الانتصار.

فإن الإنسان لو مات أو قتل وهو ثابت على الحق لم يتزحزح عنه، فهو الفائز المنتصر وإن لم يحدث في عصره الاستخلاف في الأرض والتمكين، وإن لم تكن الدولة للمؤمنين، وإن ألقي بهم في غياهب السجون وإن نفوا من الأرض، وإن ذهبت أموالهم وديارهم، وقتلوهم وأهليهم وذويهم.

وعلى مثل هذه المعاني تربى المؤمنون فلم يشغلوا أنفسهم وهم في مكة بالحرب والتخطيط للسيطرة على الدولة، ولم تكن عنايتهم بإعداد القوة المادية وحشد السلاح والعتاد، وإنما كانت العناية بترسيخ الحق في القلوب حتى تضرب جذوره في الأعماق ويصبح من العسير زحزحته فضلًا عن اجتثاثه واقتلاعه.

لقد كانت قصة أصحاب الأخدود التي جاء ذكرها في سورة البروج -وهي سورة مكية- تحمل في طياتها معاني الثبات على الحق مهما كانت النتائج.

قال الله سبحانه وتعالى:"وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت