عند إمعان النظر، والتعمق في التأمل في أحداث المرحلة المكية يتبين لنا ما يلى:
أولًا: إن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إنسانية لا تعرف عصبيات القومية والقرابة، فهى رسالة عامة إلى جميع البشر على مختلف مشاربهم ومستوياتهم، وبقطع النظر عما بينهم من تفاوت وتباين.
ولذلك كان لزامًا أن توجه الدعوة إلى جميع الخلق وأن يكون البيان عامًا، وأن يتحرك جميع المؤمنين منذ اللحظات الأولى لهذه الرسالة المباركة نحو نشر مبادئ وأصول هذا الدين بوضوح وبلا مجاملات فارغة.
ثانيًا: إن الدافع الرئيس لتحرك المؤمنين في الدعوة إلى دينهم هو رغبتهم في استنقاذ الناس مما هم فيه من شرك وانحراف وسقوط أخلاقي سيعرضهم في النهاية إلى سقوط في دائرة العذاب الذي لا يستطيع أي أحد من الخلق أن يغنى عنهم منه شيئًا.
وهذا مانطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته لقومه حيث قال:"يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سلينى ما شئت من مالي لا أغنى عنك من الله شيئًا" [1] .
إن رحمة الخلق والشفقة على البشر كانت من أهم عناصر تحرك هذه الدعوة، والصمود في مواجهة ما يعتريها من صعاب وهذا سمو أخلاقي لا ريب فيه، ودرس تربوي لا يملك أحد أن يخفيه.
(1) أخرجه البخارى (2548) ، ومسلم (303) من حديث أبى هريرة رضي الله عنه.