ثالثًا: لقد كان شعور المؤمنين بأن ما يحملونه هو الخير للناس وهو الهدى سببًا في بذل هذا الخير لأقرب الناس إليهم، ولقد بدأ النبى صلى الله عليه وسلم بأقرب الناس إليه بِرًّا بهم وعرفانًا بفضلهم، وهكذا فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه وغيره.
رابعًا: إن الفترة المكية تشكل الجزء الأعظم في تاريخ الدعوة النبوية حيث امتدت ثلاثة عشر عامًا من أصل ثلاثة وعشرين عامًا هي عمر الدعوة في العهد النبوي، ولم تشهد هذه المرحلة قتالًا من المؤمنين، فلم يرفعوا سيفًا، ولم يحملوا سلاحًا، ولم يؤمروا بجهاد أوقتال؛ بل لم يدفعوا الاعتداء عن أنفسهم ولم يبادلوا الكفار قتالًا بقتال، واعتداء باعتداء، بل أمروا بكف اليد والصبر على البلاء، والصفح والإعراض عن جهالات الكافرين.
"أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ" [النساء / 77] .
وروى ابن كثير في تفسيره أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبى صلى الله عليه وسلم - بمكة، فقالوا: يا نبي الله، كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال:"إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم" [1] لقد كانت هذه مرحلة حصل فيها المؤمنون جملة من الدروس التربوية والقواعد المنهجية والسمات الخلقية مشفوعة بشق عملي تطبيقي في أعلى المستويات.
لقد حصلوا دروسًا في إنكار الذات والاعتماد على الله، والعفو والحلم والصبر على البلاء وحب الخير للناس في أحلك الظروف.
لقد كان لزامًا عليهم أن يتحملوا كل الصعوبات ويستوعبوا كل الاعتداءات، وأن يمارسوا الدعوة لأعدائهم، فيردون الاعتداء بالحلم والصبر، ويقابلون رغبة الكفار بالفتك بهم
(1) تفسير ابن كثير (1/ 796) ، ومستدرك الحاكم (2/ 37) .