المقالة الثانية
المرحلة المكية وإمكانية الاستفادة من أحداثها
يقع أحيانًا شيء من الخلط لدى بعض المنتسبين للحركة الإسلامية في تعاملهم مع سيرة النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم لا سيما المرحلة المكية، حيث يرى البعض أن المسلمين الآن يعيشون في مرحلة من الاستضعاف والقهر تفرض عليهم أن يطبقوا المرحلة المكية بكل حذافيرها ويلتزموا بجميع تفاصيلها ومن ثم قد يجعلون من ذلك ذريعة للتنازل عن بعض الأوامر الشرعية كالترخص في ترك الهدي الظاهر، وعدم إقامة الشعائر الجماعية.
في حين ذهب البعض إلى الطرف الآخر فقال: إن الشريعة قد اكتملت والدين قد تم، وما جاء من تعاليم وأوامر في المرحلة المكية كان مؤقتًا لمرحلة بعينها، وقد نسخ بأحكام العهد المدني، ومن ثم لا يمكن الاحتجاج بأحداث العهد المكي على حكم نحتاجه في واقعنا اليوم.
والحق - بلا ريب- وسط بين الفريقين، فلا يمكن إلغاء شيء من أوامر الدين وثوابته أو تعطيله طالما وجدت القدرة على أدائه، وتبين رجحان المصلحة الشرعية في فعله، وما خالف ذلك فلا يعدو أن يكون حالات خاصة تحتاج إلى فتاوى تخصها ولا تعمم لتشمل مجموع المسلمين، أو لتصير حكمًا وقاعدة شرعية ينبني عليها غيرها.
وفي ذات الوقت لا يمكن اختزال أحداث السيرة النبوية في الغزوات والحروب فقط، أو الزعم بأن كل ما جاء في المرحلة المكية فهو منسوخ بالعهد المدني، فلا بد من التريث لفهم حقيقة النسخ، وإدراك أن ما أمر به لسبب ثم أمر بخلافه لارتفاع هذا السبب - كالأمر بالصبر والصفح حين الضعف ثم الأمر بالقتال والحرب في وقت القوة والعز- فهو عند التحقيق ليس من النسخ بمعناه الشرعي.
قال السيوطي في الإتقان:"ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخًا بل هو من قسم المنسأ .. فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى."