فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 113

ثانيًا: الصفح والتسامح وكف اليد.

من المعلوم أن الفترة المكية تشكل الجزء الأعظم في تاريخ الدعوة النبوية حيث امتدت ثلاثة عشر عامًا من أصل ثلاثة وعشرين عامًا هي عمر الدعوة في العهد النبوي.

ورغم ذلك لم تشهد هذه المرحلة قتالًا من المؤمنين، فلم يرفعوا سيفًا، ولم يحملوا سلاحًا، ولم يؤمروا بجهاد أوقتال؛ بل لم يدفعوا الاعتداء عن أنفسهم ولم يبادلوا الكفار قتالًا بقتال، واعتداء باعتداء، بل أمروا بكف اليد والصبر على البلاء.

"أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاة" [النساء / 77] .

وروى ابن كثير في تفسيره أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبى صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا نبي الله، كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، قال:"إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم" [1] .

لقد كانت هذه مرحلة حصل فيها المؤمنون جملة من الدروس الخلقية مشفوعة بشق عملي تطبيقي في أعلى المستويات.

لقد حصلوا دروسًا في كف اليد والتسامح وإنكار الذات والاعتماد على الله، والعفو والحلم والصبر على البلاء وحب الخير للناس في أحلك الظروف.

لقد كان لزامًا عليهم أن يتحملوا كل الصعوبات ويستوعبوا كل الاعتداءات، وأن يمارسوا الدعوة لأعدائهم، فيردون الاعتداء بالحلم والصبر، ويقابلون رغبة الكفار بالفتك بهم وحرصهم على فتنتهم عن دينهم بالرغبة في هدايتهم وإنقاذهم مما هم فيه من ضلالة وكفر.

وليس أدل على ذلك من فرحتهم بإيمان أي كافر، حتى إن كان من الذين يغلظون عليهم ويشتدون في تعذيبهم.

(1) تفسير ابن كثير (1/ 796) ، ومستدرك الحاكم (2/ 37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت