إن المجتمع العربي الجاهلي قبل الإسلام كان يعج بجملة من المتناقضات، ففي الوقت الذي يعظم فيه العربي الكرم ويمتدح أهله وتضرب الأمثلة الرائعة فيه، يقوم البعض بقتل أطفاله خشية الإملاق، وفي الوقت الذي يعظمون فيه الشهامة ونجدة المظلوم وإغاثة الملهوف ينتشر بينهم وأد البنات.
ولعل السبب الذي ترجع له تلك المتناقضات هو عدم وجود مرجعية أخلاقية تحكم الجميع، وإنما ينطلق كل فرد في المجتمع ليمارس ما تربىّ عليه من أخلاق أو ما يمليه عليه ضميره من سلوكيات.
من أجل ذلك انتشرت الموبقات الخلقية في المجتمع الجاهلي وكان مرتعًا للزنا ومعاقرة الخمور والربا والتفحش -لا سيما في أشعار الغزل والتشبيب- وشاعت مجالس الغانيات والقينات والمغنيات، وصارت المجاهرة بتلك الأفعال الردية أمرًا عاديًا في المجتمع العربي الجاهلي.
ولذلك عمل المنهج التربوي النبوي في العصر المكي على ترسيخ قواعد مكارم الأخلاق في نفوس المؤمنين وتربيتهم على جميل الخصال وحميد الصفات.
فقد اشتهر صاحب هذه الدعوة صلى الله عليه وسلم قبل بعثته بمكارم خلقه، فقد عرف عنه الصدق والأمانة، وصلة الرحم والشهامة، وإغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج.
ولذلك علمت أم المؤمنين خديجة صدق النبي صلى الله عليه وسلم واستدلت على نصر الله له بما علمت من حسن خلقه، فقالت له مسلية في بدء بعثته:"كلا والله ما يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق" [1] .
وكانت مكارم الأخلاق هي سمة هذه الدعوة وشعارها حتى شهد بذلك أعداء الدعوة لا أتباعها فقط، حتى أن هرقل لما سأل أبا سفيان بماذا يأمر محمد في دعوته قال له:"يأمرنا أن نعبد الله"
(1) أخرجه البخاري (3/ 1074) .