وحرصهم على فتنتهم عن دينهم بالرغبة في هدايتهم وإنقاذهم مما هم فيه، وليس أدل على ذلك من فرحتهم بإيمان أي كافر، حتى إن كان من الذين يغلظون عليهم ويشتدون في تعذيبهم.
فقد كان عمر بن الخطاب - مثلًا- من الذين يؤذون المسلمين ويشتدون عليهم، حتى قال: سعيد بن زيد ابن عمه وزوج أخته:"والله لقد رأيتنى وإن عمر لموثقى على الإسلام قبل أن يسلم" [1] .
فلما أسلم عمر فرح المسلمون لذلك أشد الفرح، وصار أخًا لكل المؤمنين وعلا شأنه في الإسلام حتى صار رجل هذه الأمة الثالث بعد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه.
ولم يكن العفو والحلم والصبر موقفًا اضطراريًا ليس للمؤمنين حيلة غيره كما يظن البعض، فـ"إن الذين دخلوا في الإسلام مدة استسرار الدعوة لم يكونوا من الضعفاء والمحرومين والعبيد، وقد ذكر ابن إسحاق في سيرته، وابن سيد الناس في العيون، والقسطلاني في المواهب أسماء وأنساب هؤلاء السابقين الأولين، حتى بلغوا عددًا كان يمكنهم به رد الاعتداء على أنفسهم، لو أنه كان أذن لهم في ذلك."
ولكن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى رسالته والإيمان بهديه لم تكن تقصد إلى إشعال نيران القتال في بيوتات قريش، التي دلف كثير من شبابها إلى الاستجابة لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم واتبعه على دينه، لأن هدف هذه الدعوة الهادية الكريمة كان فتح القلوب والعقول إليها وتقبلها" [2] ."
إن هذا التعامل الأخلاقي في أسمى صوره يحتاج أن يتوقف أمامه كل منصف ليعلم كيف تشكلت نفوس المؤمنين الأوائل، وليعرف كيف تربى هؤلاء الذين جاهدوا وقاتلوا بعد أن تخرجوا من أرقى مدرسة أخلاقية في التاريخ.
(1) أخرجه البخاري (3573)
(2) محمد رسول الله منهج ورسالة، محمد الصادق إبراهيم عرجون، (1/ 604) ، دار القلم - دمشق.