خامسًا: لقد كان البعد التربوي في هذه المرحلة مزدوج التوجيه، حيث اتجه في شقه الأول نحو المؤمنين في ذات أنفسهم، في حين اتجه في شقه الثاني إلى المؤمنين في تعاملهم مع الأعداء الكافرين.
فالشق الأول كان تربية لعباد الله المؤمنين على أرقى وأسمى المعانى الأخلاقية من الاعتماد على الله والثقة في وعده ونصره، والصبر على البلاء واحتساب الأجر، والحلم وعدم الغضب للنفس، وإنكار الذات والرغبة في هداية الناس في أحلك الظروف وأشدها، والإخلاص الكامل لله سبحانه بالتخلي عن حظوظ النفس الدنيوية، والترفع عن الملذات والتضحية بكل غالٍ ونفيس في سبيل إقامة الدين وتعبيد الناس لرب العالمين.
أما الشق الثاني فقد أسس قواعد وأصول تربوية رفيعة في التعامل مع الخصوم لم تعرف البشرية له مثيلًا إلا في سير الأنبياء والمرسلين، لقد انطلقت هذه العلاقة من الحرص على هدايتهم وحب الخير لهم والرغبة في إنقاذهم، وكان نتاجًا لتلك المشاعر الصادقة أن تقابل إساءاتهم بالإحسان، وجهالاتهم بالحلم، والعربي لا يصبر عادة على ضيم يقع عليه أو على من يلوذون به.
لقد كان المؤمنون في سلوكهم مع خصومهم وأخلاقهم في التعامل معهم يفسحون أمامهم السبل ويمهدون لهم الطريق للدخول في الدين، لم ينشغلوا مع أعدائهم بمعارك جانبية ينتقمون فيها لأنفسهم ويشعلون فيها نار الثأر؛ بل آثروا التضحية بحظوظ أنفسهم وتحمل الأذى والصبر، حتى يوفروا لجلادهم أجواء يمكنه أن يتأمل فيها ويفكر، وأن يقف مع نفسه بعيدًا عن مشاعر العداوة والرغبة في الانتصار، فلا بأس بالصبر إن كان سبيلًا للهداية، ولا ضير بالحلم إن كان معينًا على انشراح الصدور للحق، ولا غضاضة أن تكون أجسادهم قنطرة يطؤها الناس ويعبرون فوقها إلى الجنة [1] .
ولقد أثمرت تلك المنظومة التربوية بشقيها ثمارًا يانعة وقطوفًا دانية:
(1) أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية، للمؤلف ص 38.