فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 113

ففي الشق الأول خرج جيلًا لم تعرف البشرية له مثيلًا في رقي خلقه وكمال تربيته وسمو آدابه، وصار هذا الجيل مفخرة لكل مسلم، ونموذجًا عمليًا للإنسانية جمعاء على حسن الخلق وكمال الأدب بالفعل قبل القول، وبالعمل قبل التنظير.

وفي الشق الثاني كان هذا السلوك الخلقي السامي سببًا في هداية الكثير من الأعداء، وعودتهم إلى الفطرة السليمة والملة المستقيمة، ليكونوا من بعد ذلك من عظماء المسلمين، بعد أن كانوا من أشد أعداء المسلمين.

سادسًا: لقد صارت هذه الثلة المؤمنة التى تربت على تلك المعانى الإيمانية السامية هي الطليعة التى قادت المؤمنين في المرحلة اللاحقة، وكان طبيعيًا أن تأتي سلوكياتهم على ذات النسق الأخلاقي الرفيع بعد أن صارت هذه الأخلاق ركيزة في نفوسهم، وسجية في تصرفاتهم، وطبيعة عنها يصدرون وإلى غيرها لا يميلون، لقد شكلت جزءًا أساسيًا في ثقافتهم، وكونت قدرًا أصيلًا في أذهانهم وأفئدتهم بحيث يكون من المستبعد أن يتصرفوا بمنأى عنها، أو يعملون بما يخالفها لاسيما مع ارتباط تلك المعانى بالتوجيهات الربانية، والإرشادات النبوية التي تمنحها قداسة، وترفعها إلى مرتبة العبادة لله عز وجل.

سابعًا: لم تكن هذه الأخلاقيات والمعاني التربوية ـ في الجملة ـ جزءًا من فكر المجتمع العربي الجاهلي، بل على العكس من ذلك، فقد كانت ثقافة الثأر والانتقام الشخصي والأنفة والجهالة جزءًا أصيلًا من ثقافة العرب الجاهليين حتى قال شاعرهم [1] :

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا

ولذلك لا يمكن نسبة هذه الممارسات الأخلاقية الرفيعة قط إلا للتربية الإسلامية الإلهية الرفيعة التي خضع لها أولئك النبلاء الأفاضل.

(1) وهو عمرو بن كلثوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت