إن الإشارة هنا إلى سنة التدرج واضحة، فإن المؤمن يحتاج في المرحلة الأولى إلى تعميق الإيمان في النفس والارتباط بالآخرة والتعلق بها، فإذا تم له ذلك صار من اليسير عليه بعد ذلك القيام بالتكاليف الشرعية من أوامر ونواه.
وعند دراسة القرآن الكريم والسنة المطهرة دراسة عميقة نرى التدرج والانسجام الذي أحدث تغييرًا عظيمًا في بلاد العرب، ومنها إلى العالم كله على يد النبي صلى الله عليه وسلم ... فلقد كانت الأمور تسير رويدًا رويدًا حسب مجراها الطبيعي حتى تستقر في مستقرها الذي أراده الله رب العالمين.
فإن هذا الدين عظيم يحتاج إلى عظماء يحملون رسالته إلى العالم أجمع، وإن إعداد هؤلاء العظماء لا يتم بين عشية وضحاها، وإنما يجب أن تسير الأمور بخطو متدرج، ويرتقى السلم بتأنٍّ وتؤدة.
وهذه السنة الربانية في رعاية التدرج ينبغي أن تتبع في سياسة الناس، وعندما يراد تطبيق الإسلام في الحياة، واستئناف حياة إسلامية متكاملة يكون التمكين ثمرتها، فإذا أردنا أن نقيم مجتمعًا إسلاميًا حقيقًا، فلا نتوهم أن ذلك يمكن أن يتحقق بقرار يصدر من رئيس, أو ملك, أو من مجلس قيادي أو برلماني، إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج، أي بالإعداد، والتهيئة العقدية، والفكرية، والنفسية، والاجتماعية ....
وهو نفس المنهج الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم لتغيير الحياة الجاهلية إلى الحياة الإسلامية، فقد ظل ثلاثة عشر عامًا في مكة، كانت مهمته الأساسية فيها تنحصر في تربية الجيل المؤمن, الذي يستطيع أن يحمل عبء الدعوة، وتكاليف الجهاد لحمايتها ونشرها في الآفاق، ولهذا لم تكن المرحلة المكية مرحلة تشريع بقدر ما كانت مرحلة تربية وتكوين [1] .
(1) السنن الربانية في السيرة النبوية، للدكتور أحمد عبد الرحمن، مقال: منشور في مجلة البحوث التربوية، العدد 22.