فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 113

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيش بين أصحابه يوجههم بالقول والعمل، وكان الصحابة الكرام ينظرون أفعاله ويترقبون تصرفاته، ويعدون حركاته وسكناته، فإذا أمرهم بشيء كان أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن أمر كان أبعدهم عنه.

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ملكًا منعزلًا في قصر بعيد، ولا رئيسًا ينظر لأتباعه من برج مشيد، ولا قائدًا يلبس الحرير ويلقي بجنوده في العذاب الشديد، بل كان جزءًا من المؤمنين، يتحمل معهم ما يتحملون، يجوع كما يجوعون، ويتأذى كما يتأذون، ويحمل من الهموم والمشاق والبلاء فوق ما يحملون، ويصبر على ما لا يصبر عليه غيره، فإن لاذ به أحد أتباعه وجد عنده ما يسري عنه ويرفع عنه جزءًا مما يعانيه.

قال عتبة بن غزوان:"لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى تقرحت أشداقنا" [1] .

وعن عبد الله بن مسعود:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس إذا قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم - وهو عقبة بن أبي معيط- فجاء به فنظر حتى سجد النبي صلى الله عليه وسلم ووضعه على ظهره بين كتفيه وأنا أنظر لا أغير شيئًا لو كان لي منعة."

قال: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره" [2] ."

وعن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فوضع

(1) أخرجه مسلم (4/ 2278) .

(2) أخرجه البخاري (1/ 94) ، ومسلم (3/ 1418) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت