فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 113

وحينما كانت الحرب مشتعلة بين الفرس والرومان، وكان الكفار يحبون غلبة الفرس بصفتهم مشركين، والمسلمون يحبون غلبة الرومان بصفتهم مؤمنين بالله والرسل والوحي والكتب واليوم الآخر وكانت الغلبة للفرس، أنزل الله بشارة غلبة الروم في بضع سنين، ولكنه لم يقتصر على هذه البشارة الواحدة بل صرح ببشارة أخرى وهي نصر الله للمؤمنين حيث قال:"وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) ". [الروم/4 - 5] .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه يقوم بمثل هذه البشارات بين آنة وأخرى، فكان إذا وافى الموسم، وقام بين الناس في عكاظ ومجنة وذي المجاز، لتبليغ الرسالة، لم يكن يبشرهم بالجنة فحسب، بل يقول لهم بكل صراحة، يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا متم كنتم ملوكًا في الجنة [1] .

وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم كفار قريش حين أرادوا مساومته بأن صرح لهم أنه يطلب منهم كلمة واحدة يعطونها، تدين لهم العرب، ويملكون العجم [2] .

ومر معنا قصة خباب بن الأرت حين أتى النبي صلى الله عليه وسلم طالبًا الدعاء والاستنصار ورفع البلاء الذي اشتد بالمؤمنين فقال صلى الله عليه وسلم:"لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" [3] .

وقد كانت هذه البشارات معلنة منتشرة، يعلمها الكفرة كما كان يعلمها المسلمون حتى كان الأسود بن المطلب وجلساؤه إذا رأوا أصحاب النبي تغامزوا بهم، وقالوا: قد جاءكم ملوك الأرض، سيغلبون على ملوك كسرى وقيصر، ثم يصفرون ويصفقون [4] .

(1) الرحيق المختوم ص 145 - 146 باختصار وتصرف.

(2) سيرة ابن إسحاق (1/ 220) ، سيرة ابن هشام (2/ 264) ، البداية والنهاية (3/ 123) ، وعيون الأثر (1/ 226) .

(3) تقدم تخريجه.

(4) إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون أو السيرة الحلبية (1/ 486) ، لعلي بن برهان الدين الحلبي، دار المعرفة، بيروت، وانظر: فقه السيرة للغزالي ص 113، الرحيق المختوم ص 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت