فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 72

جاء فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنّ هذا الأعْرَابي قال ما قال فزِدْنَاه فزعَم أنّه رَضِي، أكَذَلك؟"، قال (الأعرابيّ) : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مثلِي ومثل هذا مثل رَجُل لَه نَاقَة شَرَدَت فأتْبَعَها النّاس فلم يزِدْها إلا نُفورًا فناداهم صاحبها: خَلُّوا بيني وبين ناقتي فإني أَرْفَق بها منكم وأعلم فَتَوجّه لها بيْن يديْها فأخَذَ لها مِن قمَام الأرض فردّها حتى جَاءت واسْتنَاخت وشَدّ عليها رَحْلَه واسْتوى عليها ..." [الحديث رواه البزار]

ومن ثم يتبيّن عِظم رِفْق النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وحلْمه وعفوه وسِعة صدره، وحِكْمته - صلى الله عليه وسلم - في تعليم الأعرابيّ وكذلك صحابته الكرام في كيفية التعامل مع مثل هذه المواقف.

4 -عن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، قال: وقد فَزع أهل المدينة ليلة سمعوا صوتًا، قال: فتلقاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ--ليس عليه سرج ولا أداة- وهو متقلِّد سيفه، فقال - صلى الله عليه وسلم:"لَمْ ترَاعُوا، لَمْ تراعُوا ..." [رواه البخاري]

يعني: لقد سمع المسلمون بالمدينة ذات ليلة صوتا أقلقهم وأفزعهم فهبّوا من نومهم مذعورين ومتخوّفين ظنّا منهم أن العدوّ يتربّص بهم ويستعدّ للهجوم عليهم في ظلام الليل، وعندما خرج المسلمون ناحية الصوت لاستكشاف الأمر وجدوا النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - راجعا إليهم على فرسه بعد أن استطلع الأمر بنفسه مُطَمْئِنا لهم وآمرهم بالرجوع من حيث جاءوا.

ومن ثم يتبيّن عِظَم شجاعة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وإقْدامه وجرأته، حيث لم ينتظر إلى أن يخبره المسلمون بحقيقة الأمر وإنما أقْدم - صلى الله عليه وسلم - بنفسه لاستكشاف الأمر ومن ثم طَمْأنة المسلمين.

5 -يقول عبد الله بن عامر (رضي الله عنه) : دعَتْني أمّي يوما فقالت: ها تعال أعُطيك، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وما أرَدْت أنْ تُعطيه؟"قالت: أعطيه تمرا، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أمَا إنّكِ لو لم تعطيه شيئا كُتِبت عليكِ كَذِبة" [رواه أحمد] .

يعني: أن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - يُعلّم الأمّ وكذلك يعلّم أمته من بعده بأنه لا يجوز الكذب بما في ذلك الكَذِب على الأطفال، وذلك حتى لا يتعلّم الأطفال الكَذِب ويعتادونه، ومن ثم تربية الأطفال على الصدق.

6 -يقول سَهْل بن سعد رضي الله عنه: أُتِي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشراب فشرب منه، وعن يمينه - صلى الله عليه وسلم - غلام (صغير السنّ) وعن يساره أشياخ (كبار السنّ) فقال - صلى الله عليه وسلم - للغلام:"أتأذن لي أن أُعْطي هؤلاء؟"فقال الغلام: لا، والله لا أُوثِر (أُفَضّل) بنصيبي منك أحدا، قال (سهل بن سعد) : فتلّه (وضعه في يده) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. [رواه البخاري]

يعني: لقد كان من هدْي النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يَلِيه من على يمينه ثم من على يساره، ولكنه وجد أن من على يمينه غلام واحد صغير ومن على يساره أشياخ كبار السنّ، فأراد النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يُقَدّم الشراب أولًا إلى الأشياخ الكبار توقيرا لهم (من حيث كِبَر سنّهم وعددهم) ، ولكنّه - صلى الله عليه وسلم - في نفس الوقت أراد أن لا يَسْلب الغلام حقّه بأن يأخذ دوره في الشراب (لأن الغلام كان يَلِي النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - من جِهة اليمين) فأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يَحُلّ هذا الموقف باستئذان الغلام (تقديرا لحقّه واعترافا منه - صلى الله عليه وسلم - به) ، ولكن الغلام أراد أن يفوز بالشُرب من موضع أَثَر النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وألا يُؤثِر أحدا بنصيبه من موضع أَثَرِ شُرْب النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومن ثم استجاب النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - لطلب الغلام إقرارا للحقّ والعَدْل الذي ربّى عليه أصحابه ومن ثم أمته من بعده وإشعارا منه - صلى الله عليه وسلم - للغلام بقيمته ومن ثم تعويده على الشجاعة وإبداء رأيه في أدب، فلقد كان - صلى الله عليه وسلم - مربيا حكيما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت