7 -لقد خرج النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - في إحدى غزواته (حروبه ضد أعداءه من المشركين الذين يحاربون الإسلام) في وقت صائف، وفي أثناء عودته - صلى الله عليه وسلم - مع الجيش مَرّ على وادٍ كثير الشجر فتفرق المسلمون يستظلون بظل الشجر، وذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة وعلّق سيفه عليها ثم نام، فجاءه - صلى الله عليه وسلم - أعرابيّ-من البدو- وهو نائم فأخذ سيفه وأخرجه من غمده وشَهَرَه فاستيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له الأعرابي: تخافني؟ فقال النبي محمد - صلى الله عليه وسلم:"لا"، فقال الأعرابيّ: من يمنعك مِنّي؟ فقال له النبي محمد - صلى الله عليه وسلم: الله (ثلاثا) ، فارتعشت يد الأعرابيّ واضطربت وسقط السيف من يده فأخذه النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال له:"من يمنعك مِنّي؟"فقال له الأعرابيّ: كن خير آخذ،- يعني: إن كنت أنا قد أسأت فكن أنت خير آخذ ولا تعاملني بمثل ما عاملتك به-، فقال له النبي محمد - صلى الله عليه وسلم:"تشهدُ أن لا إله إِلا اللَّه؟"، قَالَ الأعرابيّ: لا ولكنِّي أعاهدك أنْ لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فعفى عنه النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وخلّا سبيله ولم يعاقبه، فرجع الأعرابي إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس، ولم يظاهر أو يناصر أحد على رسول الله بعد ذلك. [شرحا مختصرا لما رواه الإمام أحمد وغيره من حديث جابر] .
ومن ثم يتبيّن عِظَم يقين النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بالله سبحانه وتعالى وثقته به وحُسْن توكّله عليه، إضافة إلى جميل حِلْمه - صلى الله عليه وسلم - وصفحه وعفوه عن الأعرابيّ الذي جاء يقتله.
8 -لقد وقفت أمام المسلمين أثناء حفرهم للخندق (الذي قام المسلمون بحفْره، وذلك للتحصّن به من هجوم المشركين وقت تجَمّع أعداء الإسلام لمحاربة المسلمين) صخرة كبيرة ذات صلابة شديدة حيث لا يمكنهم كسرها بالمَعَاول (ما يُستخدم من مُعدّات للحفر آنذاك) ، فشكَوْا ذلك إلى النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقام النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بأخذ المعْول وقال:"بسم الله"ثم قام بضربها ضربة قوية فكسر ثلثها فقال - صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر"وبَشَّر المسلمين بفتح من الله تعالى لهم في المستقبل وهو فتح بلاد الشام، ثم قام النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ثانية بِضَرْبِ الصخرة بقوة فانكسر ثلثها الثاني فقال - صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر"وبَشَّر المسلمين بفتح ثانٍ من الله تعالى لهم في المستقبل وهو فتح بلاد فارس، ثم قام النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - للمرة الثالثة بِضَرْبِ الصخرة بقوة فانكسر ثلثها الأخير فقال - صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر"وبَشَّر المسلمين بفتح ثالثٍ من الله تعالى لهم في المستقبل وهو فتح اليمن. [شرح مختصر للحديث الذي رواه النسائي]
ولقد تحققت جميع نبوءات النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، حيث إنه بعد زمن قريب قد دخل الإسلام في هذه البلاد التي أخبر عنها النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ودخل أهلها في دين الله أفواجا.
ومن هذه الواقعة يتبيّن لنا عِظَم حُسْن تَوَكّل النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - على الله تعالى وعظيم ثِقّته به جل وعلا حيث لم يعتمد - صلى الله عليه وسلم - على قوته وإنما لجأ إلى إلهه وخالقه (الله سبحانه وتعالى) فبدأ بقول:"بسم الله"خاتما فعله بقول:"الله أكبر"، فلم يَنْسِب الفضل في نجاحه لكَسْر الصخره إلى نفسه وإنما نسبه إلى الله تعالى بقوله"الله أكبر"، فالله تعالى اكبر من أي شيء وبفضله وتوفيقه يمكن النجاح في أي شيء، ومن ثم يكون ذلك درسا طيبا لصحابته الكرام وأمّته من بعده في كيفية التوكّل على الله تعالى واللجوء إليه.
ويتبيّن أيضا من هذه الواقعة كيفية بثّ النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - روح الأمل والنصر في قلوب أصحابه وقت ضعفهم وقلقهم وخوفهم من هجوم عدوهم، إضافة إلى صدقه - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به ومن ثم مصداقية دعوته ورسالته من الله سبحانه وتعالى.