فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 72

9 -عن أنس بن مالك قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابيّ -من البدو- فقام يبول في المسجد -وقد كان المسجد مفروشا من الرمل والحصى-، فقال له أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم: مه مه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تزْرمُوه -يعني لا تقطعوا عليه بوْله-، دَعُوه"فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه -أي: طلب الأعرابيّ- فقال له:"إن هذه المساجد لا تَصْلُح لشيء من هذا البَوْل ولا القَذَر، إنما هي لِذِكْر الله والصلاة والقرآن"، ثم أمر - صلى الله عليه وسلم - رجلا فجاء بدَلْو من ماء فشَنّه عليه -يعني: أمر بإلقاء الماء على موضع البَوْل من الأرض لتطهيره-. [رواه البخاري]

ومن ثم يتبيّن حِكْمة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - في حَلِّه لهذا الموقف حيث منع الصحابة من استخدام القوة والعنف مع المُخطئ، إضافة إلى رِفْقه - صلى الله عليه وسلم - بالأعرابيّ وتعليمه له درسا رقيقا دون تخويف أو ترهيب.

10 -لقد جاء رجل إلى النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال (الرجل) : ولدت امرأتي غلاما أسود -وهو حينئذ يُعَرِّض بأن ينفيه، أي يُنكر بنوّته- فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"هل لكَ مِنْ إبل؟"قال (الرجل) : نعم، قال - صلى الله عليه وسلم:"هل فيها مِن أورق -أي أسمر أو ما كان لونه كلون الرماد-؟"قال الرجل إن فيها لورقا -أي أسمر أو ما كان لونه كلون الرماد-، قال - صلى الله عليه وسلم:"فأنّى أتاها ذلك؟"قال الرجل عسى أن يكون نزعه عِرْق، فقال - صلى الله عليه وسلم:"وهذا -يعني الغلام- عسى أن يكون نَزَعَه عِرْق -أي لعل الغلام جاء على مثل صفات واحد من أجداده-" [أخرجه البخاري] .

أي أنّ النبي لم يُرَخِّص للرجل إنكار بُنُوة الغلام لمجرد ظنّ موهوم لاحتمالية حدوث مثل ذلك الأمر.

ومن ثم يتبيّن كيف قام النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بمعالجة هذا الموقف الخطير الذي قد يترتب عليه ضياع نَسَب طِفْل بريء وانهيار بيت مسلم وتفكّكّه بكامله وذلك من خلال الحوار العقْلي المنطقيّ الذي قد اقتنع به السائل (الرجل) والموافق لما قد توصّل إليه علم الوراثة الحديث من إمكانية حدوث مثل ذلك، إضافة لعدم وجود أدنى دليل مؤكّد على خيانة المرأة لزوجها، ومن ثم يتبيّن دوْر وحِكْمة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - في محافظته على الأسرة واسقرارها ومن ثم استقرار المجتمع.

وغير ما أشرنا إليه الكثير والكثير من الصور المشرقة لحياة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - والتي يتبيّن منها عِظَم تعاليم الإسلام ورِقِيّها وسُمُوّ أهدافها.

-ولقد كانت حياة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بما فيها من صور مُشرقة آثارا إيجابية عظيمة على صحابته الكرام ودور فعّال في تربية وتنشئة جيل فريد قائم على أسس من الخير والفضيلة، ونموذج ذلك:

لقد كان عبد الرحمن بن عوف أحد صحابة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - الذين هاجروا من مكّة إلى المدينة بعد إسلامهم، وذلك فِرارا بدينهم نتيجة إيذاء وتعذيب المشركين -أهل مكّة الذين حاربوا دعوة الإسلام- لهم، تاركين كلّ ما هو غال وثمين من أموالهم وديارهم ومُضَحّين بها في سبيل الثبات والاستمساك بدين الله تعالى -الإسلام-.

ومن ثم فقد كان الصحابي عبد الرحمن بن عوف بعد هجرته إلى المدينه فقيرا كغيره من المسلمين المهاجرين حيث لا يملك بيتا أو فائض مال وليس له زوجة، فما كان من سعد بن الربيع -وهو أحد صحابة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، والذين استقبلوا النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه المهاجرين وآزروهم وناصروهم- إلّا أن قال لعبد الرحمن بن عوف: [خذ نصف مالي لك] ، وكان سعد مُتزوجا من امرأتين، فقال لعبد الرحمن بن عوف: [اختر إحدى زوجتي -أجملهما- وانظر إليها فإذا أعجبتك أطلقها فإذا اعتدّت فتزوجها] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت