في"الإثم والعدوان": الاثم داخل القبيلة، والعدوان خارجها على القبائل الأخرى وهو ما يشير إليه الحديث النبوي بوضوح تام: فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: لا. ولكن العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم [1] .
ويقدم تاريخ العشائر والقبائل العربية والاسلامية التي تكونت منها أنها حين كانت تنقطع عن توجيهات القرآن والسنة فإنها تنقلب الى " عصبيات قبلية تتعاون لإشاعة"الإثم والعدوان"وترسيخ تقاليدها في الصنمية والنفاق والبهتان [2] الى الدرجة التي جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من قاتل تحت راية عمية يدعوا الى عصبية أو غضب لعصبية فقتلته جاهلية" [3] . ويقول:"دعوها فإنها نتنه"."
و"العصبية القبلية"و"العصبية العشائرية"مرض اجتماعي يصيب القبيلة ويدمرها حين تضعف نظم التعليم والتربية والارشاد عن تزويد العشائر والقبائل بتوجيهات القرآن والسنة الداعية الى صلة الأرحام وثقافة"البر والتقوى"ويحل محلها"ثقافة التعاون على الإثم والعدوان"ومضاعفاتها، وحمية الفخر والتعاظم بروابط الدم وحدها ثم يكون من مضاعفات هذا التعاظم العداون على الآخرين والأذى والهجاء والسخرية والغزو والظلم وانتقاص إنسانية الانسان.
على أن أسوأ المضاعفات المرضية لـ"العصبية القبيلة والعشائرية"هي - الصنمية - وهي مرض نفسي - اجتماعي - عقدي يصيب الافراد والجماعات فيدمر انسانية الانسان ويقتل إرادته ويطفئ فاعليته ويحيله الى مخلوق يعبد ما صنعت يداه وتتقاذفه رياح التغيير دون أن يكون له أثر في صنع حاضرة أو تقرير مستقبله.
والأساس الذي تقوم عليه - الصنمية - يتكون من ثلاثة قواعد هي:
القاعدة الاولى:"دع"الأقوياء للضعفاء، أي اغتصاب حرياتهم وقهرهم والتسلط عليهم
القاعدة الثانية: سلبهم ممتلكاتهم، والاستئثار بموارد العيش والثروة دونهم.
القاعدة الثالثة: تشكيل عقول الأكثرية وقيمها وتقاليدها وعاداتها ليصبح الدع المشار إليه جزءًا من معتقداتها.
وبذلك تكون الصنمية - هي تخلي الأفراد والجماعات عن حرياتهم في التفكير والتعبير والاختيار، وعن ممتلكاتهم التي رزقهم الله إياها من أجل مخلوق آخر ثم التوسل إليه ليرد بعضًا منها إليهم.
ولقد أحس الشاعر العراقي معروف الرصافي بقبح هذه الصنمية التي تتنازل عن انسانيتها حينما قال:
عجبت لقوم يخضعون لدولة ... يسوسهم بالموبقات عميدها
(1) ابن ماجة، السنن، جـ 2، حديث رقم 3949
(2) البهتان: الكذب على الشخص في وجهه
(3) المصدر نفسه