الصفحة 62 من 94

يخلفهم شعب ناضج في قيادة الحركة الاسلامية، وبقي مكانهم فارغًا، مما مهّد لعودة الغزو الأوروبي، وامتداده مرة ثانية إلى بقاع كثيرة من الديار الاسلامية والعلم عامة.

والأمر الرابع: إن الامة الاسلامية لم تستسلم لعوامل الضعف ومظاهر الركود والجمود، وما لم تكن لتنهار أمام الهجمات الصليبية أو المغولية بسبب ما كان - وما زال- يتردد ف كيانها من حركات التجديد والإصلاح. ومن هذه الحركات، الحركة التي أنجبت جيل نور الدين وصلاح الدين وأعادت القدس، مع أنها لم تحدث التغيير الذي يؤهل الأمة الاسلامية لانطلاقة جديدة تعيد لها مكانتها الحضارية ودورها القيادي في العالم كله.

والحركات الاصلاحية التي تلت، لم تقم أي منها بمراجعة شاملة للاضطراب الذي أصاب الأفكار والقيم ومناهج التفكير والنظم، لبلورة الرسالة القرآنية الي ترشد الى الطور التاريخي الذي تعاصره، ولا تزكي الاقوام من العصبيات والأهواء التي يقترفها مترفوا العصر وشياطينه، وإنما كانت - وما زالت - تكتفي بردود الافعال العشوائية الي تحركها الاخطار الخاريجية، الأمر الذي انتهى بحركات الاصلاح الى فريقين متنابذين: فريق الاسلاميين وفريق القوميين. وقد اقترف الطرفان خطأ التفريق بين رسالة الاسلام وقوم الرسالة، ودخلوا في معارك كلامية مع الفريق الثاني، مع أن التكامل بين الرسالة الاسلامية والقومية العربية والقويمة التركية والقويمة الإيرانية والقويمة الكردية والقومية الامازيقية وغيرهم من قوميات الشعوب الاسلامية، كان واضحًا تمام الوضوح عند أمثال عبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الافغاني وسعيد النورسي والامير عبد القادر الجزائري وعبد الحميد بن باديس وعلال الفاسي وحسن البنا. ص 443

أما الفريق الثاني- وجلهه من النخب الساسية والعسكرية - الذين اغتربت عقولهم وضمائرهم في أوروبا، من خلال التفريط التربوي والتعليمي، الذي نقل إعداد أبناء الأمة إلى أعدائها، فعاد هؤلاء الأبناء بقوميات تفرق بين رسالة الاسلام وقوم الرسالة، يستبدلون الرسالة الإسلامية بأهوائهم وشهواتهم، ويستبلدون قوم الرسالة بأقوام الجاهليات القديمة من الفراعنة والفنيقيين وآشور وعاد وثمود والأنباط، الذين دمر الله بنيانهم من القواعد، ليكونوا لمن خلفهم آية، ولعنهم في الدنيا والآخرة، يعتزون بهم بدل الإعتزاز بإنجازات أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد من العرب! وأمثال عماد الدين ونور الدين ومحمد الفاتح من الأتراك! وأمثال صلاح الدين وابن الصلاح وابن تيمية من الأكراد. وحينما آلت هذه العصبيات القومية الى الهبوط والخسران، عادوا - في هذه الأيام - إلى الإنكفاء في أقاليمهم ودويلاتهم، للتفاخر بأبطال الرياضة، ونجوم الرقص والغناء.

لقد أساء الإسلاميون المعاصرون إلى الإسلام حين جردوه من القومية، وأساء القوميون إلى القومية حين حرموها من بصائر الإسلام، ثم كانت المحصلة هي ضعف الإسلام وخسران القومية، ووضع الشعوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت