الصفحة 61 من 94

الأمر الأول: لماذا انفرد العرب والمسلمون بقيادة الفتح الاسلامي والإدارة في الدولة زمن الخلفاء الراشدين والأمويين؟

الإسلامي دون غيرهم. ولقد أساء كثير من الؤرخين فهم هذه الظاهرة، فنسبوا إلى القيادة الأموية تهمة التعصب للعرب دون غيرهم، مستندين إلى ما قامت به هذه القيادة من تعريب للدواوين والإدارة واللغة والقيادة وغير ذلك، والواقع أن هذا الرأي يتجاهل - أو يجهل - الإستراتيجية الإسلامية. ذلك أن القيادة الأموية لم تعرب القيادة والإدارة، وإنما هو أمر انحدر إليها من عصر الراشدين، وله أسبابه العقائدية التي جعلت تعريب الدواوين واللغة أمر يأتي في صلب الاستراتيجية الاسلامية. واللغة العربية إنجاز إسلامي بالدرجة الاولى، والإسلام هو الذي رفعها لتصبح لغة، بعد أن كانت لهجة من اللهجات المنتشرة في الجزيرة العربية وبدونها لن تستطيع الشعوب التي دخلت ضمن نطاق المد الإسلامي أن تفقه مصادر الدين الجديد، وخاصة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

والأمر الثاني: هو ارتباط المد الإسلامي بمدى توفر بيئة العدل والأخلاق الإسلامية، وهيمنة الروح الاسلامية على الفاتحين. ذلك أن مراحل الفتح - وخاصة مرحلة العمل على إخراج الشعوب من الجاهليات - تقتضي تجرد العناصر الفاتحة من رؤية الذات، والاخلاص للمبادئ الاسلامية، وإلا فقدت حركة الفتح الاسلامي مبرراتها ومزاياها التي تفردت بها، وأصبح تقبّل الشعوب الجديدة للعقيدة أمرًا صعبًا للغاية. وهذا الأمر الذي جرى إهماله في الأندلس، حيث شغل الفاتحون بخيرات البلاد المفتوحة، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، وظلت تنال منهم العصبيات القبلية والعرقية، وظلوا عناصر غريبة في البلاد الجديدة التي لم تتذوقهم، إلا أن تم إخراجهم نهائيا.

والأمر الثالث: أن المد الإسلامي ارتبط ارتباطًا كبيرًا بحيوية البعوث الثقافية، وبقائها ناضجة محيطة بأهدافها ورسالتها، محتفظة بمكانتها، حيث السلطان يدور في فلك القرآن، فالعصور الإسلامية، والبلاد التي شاهدت قيادات قرآنية ناضجة محتفظة بمكانتها، رسخت فيها الصبغة الاسلامية، وطبعت بطابع جديد في العقيدة والاجتماع والثقافة، وودّعت ماضيها الجاهلي إلى غير رجعة، أو ضعفت علاقاتها بهذا الماضي ضعفًا شديدًا، بل إن بلادًا لم يدخلها سوى البعوث الثقافية والإسلامية - مثل شرق آسيا ووسط إفريقيا - رسخ بها الاسلام وضمّها تحت جناحه.

أما العصور التي شهدت ضعفًا في القيادات الفكرية، وصار السلطان يوجه حملة القرآن، فقد بقيت رواسب الجاهليات كامنة فيها، تنتظر الفرصة للنمو والانتعاش، كما حدث في شرق أوروبا والبلقان، فالعثمانيون الذين قدّرلهم أن يتسلموا قيادة الأمة المسلمة قبل مرحل النضوج الإسلامي، كانوا عناصر عسكرية، لم يقدروا قيمة البعوث الثقافية والفقه القرآني لإعداد شعوب شرق أوروبا إعدادًا إسلاميًا، سوى ما كان من تأثر بعض الجيوب بالحياة الاسلامية عامة. ولذلك عندما نضبت جهودهم، لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت