رابعًا: مرحلة نضوج الشعوب، وإسهامها في حمل رسالة الإسلام وتحرير الشعوب التي تليها من الجاهليات:
حرصت الاستراتيجية الاسلامية على امتصاص العناصر الحيوية من كل شعب وقومية، بعد أن يكتمل إعدادها إعدادًا إسلاميًا - كما مر في المرحلة السابقة - كما حرصت على توزيع الادوار بين الشعوب والأقوام المسلمة.
فلقد أعد الرسول صلى الله عليه وسلم عرب شبه الجزيرة العربية مقدار ثلاث وعشرين سنة، يحرر عقائدهم ويزكي نفوسهم من الخرافة والشهوات والرذيلة والخوف، ويدربهم على معاني القيادة الصالحة التي تبلغ رسالة الله سبحانه وتعالى، حتى إذا نضجوا حملوا لواء الإصلاح العالمي، ومضوا مجاهدين مقدار ربع قرن من الزمان، عاملين على اعداد الشعوب في كل من الشام ومصر والعراق وفارس، حتى اذا اكتمل إعداد شعوب الاقطار المذكورة تسملت الراية، ودخلت ميدان العمل، وساهمت في تبليغ الرسالة الى الأقطار التتي تليها، وشاركت في بناء الحضارة الاسلامية ... . وهكذا عصور التاريخ الاسلامي.
والواقع أنه يصعب تقدير الحكمة التي اتصفت بها هذه الاستراتيجية. فبالاضافة إلى أنها تمد الرسالة الاسلامية بشعوب متجددة الحيوية والقدرات، فإنها تلائم الطبيعة الجغرافية للأقطار التي دخلها الفتح الاسلامي، فالشعب العربي سكان صحاري وقطاعات سهلية، حملوا لواء الدعوة حتى مشارف القطاعات الجبلية والبحرية، حتى سلموا الراية للشعوب المسلمة في فارس وشمال أفريقيا بعد نضوجها اسلاميًا. حيث حملت الدعوة الاسلامية الى الشعوب التي تليها، دون أن تقف العوائق الطبيعية أمام هذه العناصر الجديدة، لإنها نشأت عليها وألفتها. وهي إستراتيجية تلائم الاستراتيجية العسكرية، فحين يقوم شعب بقيادة الفتح الاسلامي الى منطقة مجاورة فإن قواعده العسكرية والتموينية تكون قريبة ومأمونة الاتصال. كذلك يتوفر لهذه المراكز القواعد الشعبية التي تدعمها بالتأييد المعنوي والتعبئة العامة التي تحيل الشعب كله الى جيش مجاهد، ومعين لا ينضب من المجاهدين والمعلمين!!
والخروج على هذه الاستراتيجية ساهم في فشل المد الإسلامي في المناطق التي حدث فيها هذا الخروج، مثل الاندلس. ففي هذه البلاد اندفعت الجيوش الإسلامية التي جاءت من شمال أفريقيا وصحارى المغرب العربي فيما وراء جبال البرانس وجنوب فرنسا، وأثارت أوروبا للتحضر واليقظة، في وقت الذي أهملت فيه إعداد الشعب الأسباني إعدادً إسلاميًا، لقد كان الواجب والصواب أن يتوقف فاتحوا الأندلس فيه ليركزوا على إعداد الشعب الاسباني، حتى إذا نضج، حمل الراية واندفع في قلب أوروبا. ولو تم ذلك لتغير وجه التاريخ العالمي.
إن وقوفنا على طبيعة هذه الاستراتيجية للفتح الاسلامي يجعلنا قادرين على تفسير عدة أمور تتعلق بالتاريخ الاسلامي الذي مرت وقائعه، ويساعد على تصويب مسيرة المجتمعات الاسلامية في المستقبل، وهذه الأمور هي: