الصفحة 59 من 94

وتذكر المصادر الاسلامية مفاوضًا آخر، هو المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، الذي فصل هذا الهدف وشدد عليه، حتى ضاق به رستم، وأرسل يطلب مفاوضًا غيره، فبعث سع وفدًا أجرى مع رستم حديثًا طويلًا، تخلله عروض مادية وهبات عينية، تكفل رستم بدفعها للجيش الاسلامي، إلا أن جواب الوفد كان كالآتي: أتيناكم بأمر ربنا، وندعوكم الى الاسلام وحكمه، فإن أجبتمونا تركنا ورجعنا، وخلفنا فيكم كتاب الله، وإن أبيتم لم يحل لنا إلا أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا بالجزية، فإن فعلتم، وإلا فإن الله قد أورثنا أرضكم وأبناءكم وأموالكم، فاقبلوا نصيحتنا، فوالله لإسلامكم أحب إلينا من غنائمكم.

ثانيًا: مرحلة الجهاد لإزالة الحواجز التي وقفت في طريق الدعوة الاسلامية:

وهي مرحلة لازمة في حالة عدم فاعلية المرحلة الأولى. ولذلك كان لا بد من التصدي لمن يقف حاجزًا في سبيل الدعوة. وينتصب حاميًا للشرك والفساد والظلم والاستبداد. ومن هذا المنطلق خرجت جيوش الفتح الاسلامي للقيام بهده المهمة الجليلة.

ثالثًا: مرحلة تزكية حياة الشعوب من الجاهليات، وإعدادها إعدادًا إسلاميًا:

كانت جيوش الفتح الاسلامي تتألف من قسمين:

فرق الجهاد العسكري، وعملها القضاء على الانظمة الحاكمة المتتسلطة.

وبعوث ثقافية، عملها تزكية العقائد والقيم والاخلاق، والعادات والتقاليد، وتوجيه الطاقات الفكرية والانتاجية وجهتها الصحيحة.

وقادة هذه البعوث الثقافية من أمثال عبد الله بن مسعود وأبي موسى الاشعري في العراق، ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء في الشام، وعبد الله بن عمرو بن العاص في مصر.

وتطبيق هذه المرحلة كان يتم على خطوات. فكان المسلمون إذا فتحوا بلدًا سارعوا الى تجفيف منابع الظلم والفساد، وإشاعة القيم والاخلاق الاسلامية.

ثم يعقب ذلك إقامة مدن وحواضر إسلامية تجسد القيم والاخلاق التي يدعوا اليها الاسلام في الثقافة والاجتماع والفنون والادارة وسائر مظاهر الحياة، وتؤسس فيها فيها المساجد وكتاتيب القرآن، والمدارس التي كانت بمثابة مراكز فكرية وتربوية وثقافية. تعلم الناس على اساليب العيش والتواصل طبقًا لمبادئ الدين الجديد بالقول والعمل.

ولم تتم هذه المرحلة دون تكاليف، فقد كانت مواجهة طويلة بين رسالة الإسلام وبين الجاهليات السابقة في كل بلد وصل إليه الفتح الاسلامي.

مواجهة شنتها الأرستقراطيات السابقة، وتسلحت بالاغتيال السياسي، وتارة بالعقيدة والفكر، وظهرت نحل وأحزاب تذرّعت بذرائع مختلفة، واستعملت أساليب متعددة، ولكن الحضارة الإسلامية خرجت منتصرة من هذه المواجهات، وهضمت شعوبًا وأقوامًا تخلت عن عقائدها وثقافاتها السابقة، واستبدلت بها عقيدة الاسلام وتطبيقاتها في القيم والانظمة المختلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت