الصفحة 64 من 94

واعتقادي أن كلًا من الإسلاميين والقوميين أساؤوا الفهم لسببين اثنين هما:

السبب الأول: هو الجهل بالفرق بين القومية، والعصبية القومية، تمامًا كالجهل بين القبلية والتعصب القبلي اللذين استعرضناهما فيما مر. (1 للتعرف على الفرق بين القبيلة والتعصب القبلي راجع مؤسسات التنشئة اجتماعية) فالقومية هي أن يحمل القوم الذين تبلغهم الرسالة - رسالة الاسلام - في التجديد والإصلاح. أما العصبية القومية، فهي حمية عاطفية بشرية، باعثها الأهواء التي تنتقل بالأفراد والجماعات من ولاية الأفكار إلى الولاء للأشخاص، ثم تنتهي بأهلها إلى مرض الصنمية التي عرفناها بأنها: تخلي الأفراد والجماعات عن حرياتهم وممتلكاتهم، من أجل مخلوق آخر، ثم التوسل إليه ليرد إليهم بعضًا منها.

والسبب الثاني: هو شيوع مناهج التفكير الجزئي بدل التفكير الشامل، والتقليد بدل التجديد، وغلبة الظن والهوى بدل التفكير العلمي.

لقد قاد التفكير الجزئي - كلًا من الاسلاميين والقوميين - الى التفريق بين ..."الرسالة"و"القوم"الذين يحملون الرسالة سواء أكان هؤلاء القوم هم العرب أو الاتراك أو الايرانيين أو الاكراد أو البربر وقادهم الى التراشق بقذائف الأجزاء الفكرية فوقفوا تحت حكم السنة الإلهية المتضمنه في قوله تعالى:"ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء"الانعام 159.

اما شيوع التقليد فقد حرمهم الاستفادة مما يسمعون وبصرون فأصبحوا مجرد أصداء لما يتردد عند غيرهم من الأمم والشعوب دون وعي بقوانين الاجتماع وسنن التاريخ.

وأما منهج - الظن والهوى - فقد جعلهم يستبدلون (الرسالة) بـ"اهوائهم"التي ترى للوقائع وجودًا غير وجودها، وللأحداث أسبابًا غير اسبابها فظلموا أنفسهم ووقعوا تحت عمل السنة الالهية المتضمنة في قوله تعالى:"أفرأيت من اتبع إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة"الجاثية 23.

فأفضى بهم ال"البغي"الذي أوقفهم تحت حكم سنن الله المتضمنه في قوله تعالى:"كان الناس أمةواحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين أوتوه من مبعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم". البقرة 213

وقوله ايضًا:"ان الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذينأوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب"آل عمران 13.

فالناس كلهم بدءًا بالمجتمع الأول الذي أقامه آدم أبو البشر ونظمه حسب شريعة الله سبحانه، تفرقوا بعد آدم فـ"بغى"قابيل على هابيل وقتله ثم تتابعت أجيال البشر، أنبياء ورسل يوحدون، و"بغي"يفرق، إلا قلة قليلة ممن زكت ننفوسهم من"البغي". واهتدوا - برحمة من الله وإذنه - الى الصراط المستقيم. ونهضوا ينذرون"البغاة"من عاقبة"الغي"الذي يقترفونه - فمن أطاعهم نجا ومن عصاهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت