المعنى الأول: ورد مصطلح (( الأمة ) )ليدل أن الأمة هي: إنسان + رسالة.
والرسالة هنا هي مثل أعلى يقدم النموذج الأمثل للجوانب الخيرة في سلوك الفرد والجماعة؛ ليأتم به الناس ويسعدوا. ويقدم الصورة الشاملة للجوانب الشريرة ليتجنبها الناس ويسلموا من آثارها. ويشير القرآن الى هذه الرسالة في مواضع عديدة باسم (( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ).
وأما عن الإنسان فقد يكون فردا واحدا، مثل الإشارة إلى إبراهيم - عليه السلام - عند قوله تعالى: انَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَالنحل: 120.
ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في زيد بن عمرو بن نفيل: (( يبعث أمة وحده ) ) [1] ؛ لأنه لم يشرك في دينه شيئأ [2] .
ومثل قول عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه فروة الأشجعي حين قال: كنت جالسا مع ابن مسعود فقال: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين. فقلت: يا أبا عبدالرحمن، إنما قال الله: انَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَالنحل: 120. فأعاد قوله: إن معاذا. فلما رأيته أعاد، عرفت أنه تعمد الأمر فسكت. فقال أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت الله أعلم! قال: الأمة الذي يعلم الخير ويؤتم به ويقتدى. والقانت: المطيع لله، وكان معذ بن جبل - رضي الله عنه - معلما للخير مطيعا لله ورسوله [3] .
وقد يكون الإنسان جماعة من العلماء والدعاة الذين يحملون رسالة إصلاحية، مثل قوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ آل عمران: 104.
وقد يكون الإنسان طائفة أو قبيلة، له معتقدها ونهجها، مثل قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 160] 160.
وقوله ايضا: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الأعراف: 168.
وقد يكون الإنسان جيلا له فكر واحد ولون حضاري واحد، مثل قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] .
(1) رواه الحاكم في مستدركه، كتاب معرفة الصحابة، ذكر مناقب عبدالله بن الزبير، وذكر مناقب سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. [ز]
(2) القرطبي، التفسير، ج 2، ص 127.
(3) الطبري، التفسير، ج 14، ص 1920.