الصفحة 71 من 94

ولقد كشف علم الحيوان أن لكل نوع منه لغة تخاطب، وتقاليد في العمل والقيادة، ونمطا في الاجتماع وأسلوبا في الحياة.

ولقد تردد شرح مصطلح (( الأمة ) )عند بعض المفسرين، ليشير إلى المعاني التي مرت، فهو عند الطبري: (( الجماعة والقرن من الناس ) ) [1] ، وهو (( دين وملة ) ) [2] ، وهو (( الناس كانوا على دين واحد فاختلفوا ) )، وهو (( الإمام يقتدى به في الخير ) ) [3] ، وهو (( الأجل المحدود، أو مجيئ أمة وانقراض أخرى ) ) [4] ، وهو (( الطريقة: أي كنتم خير أهل طريقة ) ) [5] .

مما مر كله، يمكن الخروج بالملاحظات التالية حول مفهوم الأمة ومعناه:

الملاحظة الأولى: إن المعنى الاصطلاحي المتكامل للأمة يتضمن عناصر أربعة:

الاول: العنصر البشري، والثاني: العنصر الفكري، والثالث: العنصر الاجتماعي، والرابع: العنصر الزمني. فالأمة مجموعة من الناس تحمل رسالة حضارية نافعة للإنسانية، وتعيش طبقا لمبادئ هذه الرسالة. وتظل تحمل صفة الأمة ما دامت تحمل هذه الصفات. أما حين تفقدها؛ فقد يطلق عليها إسم الأمة ولكنها لن تكون النموذج الإسلامي للأمة تماما، كما يطلق إسم دين على أي دين، ولكن الدين المقبول عند الله هو الإسلام.

والملاحظة الثانية: إن العنصر الرئيس في مفهوم الأمة هو عنصر الرسالة، أي العطاء الذي تقدمه جماعة من الناس إلى بقية مجموعات الإنسانية؛ ليساعد على بقاء النوع البشري ورقيه.

والملاحظة الثالثة: لا يشترط في العنصر البشري - أو المكون الأول للأمة - الروابط الدموية أو الجغرافية، ولا الكم العددي، فقد يكون هذا العنصر فردا واحدا، وقد يكون فئة أو جماعة، أو جيلا أو أجيالا، أو الإنسانية كلها، ما دامت تحمل رسالة، ويوحدها فقه شامل لهذه الرسالات، وتطبيقات فاعلة تنتج عنها نظم وتطبيقات حضارية في ميادين الحياة المختلفة، تسهم في بقاء النوع البشري ورقيه.

والملاحظة الرابعة: إن الأمة تتدرج في نشأتها ونموها، كتدرج نمو الجسد الإنساني، فكما يبدأ الجسد نطفة ثم علقة، ثم يولد طفلا، ثم يصبح صبيا، ثم يقوى شابا، ثم يبلغ رجلا، ثم يعود شيخا، وكما أن الإنسان الكامل هو الذي يبلغ النضج الجسدي والنفسي والعقلي، ويقوم بوظائفه كاملة، فكذلك الأمة تبدأ فردا واحدا، ثم تصير مجموعة صغيرة، ثم قوما شعبا، حتى تنتهي بالدائرة الإنسانية كلها. والامة

(1) الطبري، جامع البيان، ج 1، ص 3، القاهرة، مكتبة الحلبي، بلا تاريخ، ص 563.

(2) الطبري، المصدر نفسه، ج 25، ص 60 - 61.

(3) الطبري، المصدر نفسه، ج 25، ص 334 - 336.

(4) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 2، تفسير آية 128 من سورة البقرة، ص 127.

(5) الطبري، التفسير، ج 4، ص 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت