وعن أبي هريرة في تفسير الآية المذكورة: كنتم خير الناس للناس، تجيئون بهم في السلاسل، تدخلونهم في الإسلام (1) [1] ليدخلوا الجنة.
والملاحظة الثامنة: إن سعة دائرة الأمة يحددها مدى التواصل والاتصال الذي تحدده تكنولوجيا العصر، فحين كان الإنسان يسير على قدميه ويتواصل مشافهة مع بني جنسه، تحددت دائرة الأمة بالحدود الجغرافية التي أمكنه التحرك داخلها، وحين ركب الحمير والخيل اتسعت الدائرة لتشمل أكثر من قريته، وحين اكتشفت العربات التي تجرها الخيول، ورموز الكلمات والكتابة، ازدادت سعة دائرة الأمة لتشمل القارة، حتى إذا وقفت على عتبة ركوب الفضاء، والتواصل بالتلكس والتليفون والفاكس، رسمت الرسالة الإسلامية للأمة دائرة تتسع للإنسانية كلها.
ويرتبط بهذا التطور الجغرافي - لسعة رقعة الأمة - تطور اجتماعي مواز، يوسع دائرة القيم في كل طور، فينقلها من القيم الأسرية إلى القبلية، ثم القومية ثم العرقية ثم العالمية، وإلى هذا التدرج في الاتساع كانت الإشارة النبوية في أن كل رسول بعث إلى قومه وأنه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى الناس كافة.
ولكن المشكلة في التطور المشار إليه أن البشرية كانت - وما زالت - تعجز عن مواكبته، فتقع في خطأين اثنين:
الأول: إن فئات كثيرة من البشر كانت - وما زالت - تمارس الرفض والحران، فترفض الانتقا لمن قيم طور انتهى أمده إلى قيم طور حل زمنه.
والثاني: إن نوازع الهوى المرتبطة بمصالح أهل المال والسلطان كانت - وما زات - تشوه مفهوم الأمة، فتنقل الرسالة أو الفكرة من المحور إلى الهامش، وتحل محلها روابط الدم أو الوطن أو المصالح المادية، وبذلك يطلق مصطلح الأمة على من لا ينطبق عليه مواصفات الأمة كما حددها القرآن والحديث.
لذلك كان من أبرز مسؤوليات المؤسسات التربوية الإسلامية، أن تقوم في كل جيل بمراجعة المفاهيم المتحدرة من الآباء عن معنى الأمة ومكوناتها وروابطها؛ بغية تجديد المفاهيم الصائبة، وتزكية المفاهيم المتداولة، مما علق بها من نقص أو تشويه.
ب - أثر الثقافة العصبية العربية في تشويه مفهوم الأمة بعد العصر الراشدي:
من الإنصاف أن نقول: إنه كما كان للبيئة المصرية أثرها في انطلاقة
موسى - عليه السلام - فإنه كان للبيئة العربية أثرها في انطلاقة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو أثر له جانبان: جانب إيجابي، وآخر سلبي.
(1) الطبري، التفسير، ج 4، ص 43 - 44.