أما عن الجانب الإيجابي؛ فإن البيئة العربية سهلت نجاح الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تربية الإنسان المسلم على تعشق المثل الأعلى والتضحية في سبيله؛ ذلك أنها خلت من كثير مما كان في البيئة المصرية من ركام العقائد والثقافة والقيم التي كبلت أفهام أتباع موسى - عليه السلام - ولم يكن في الجزيرة العربية استقرار زراعي وازدهار اقتصادي؛ مما يفرز حياة الترف والتثاقل إلى الأرض، وإنما فرضت البيئة الصحراوية القاسية نوعا من حياة الطوارئ، والاستعداد الدائم للتضحية أمام الصعوبات والأخطار الطبيعية والبشرية القائمة.
أما عن الجانب السلبي؛ فإن قيم العصبية ومحاور الولاء التي تفرزها، لم تكن تصلح بحال للانتقال مع المسلم الجديد إلى المجتمع العالمي الجديد؛ لان هذه القيم والولاءات لا تسمح أبدا بتوسيع شبكة العلاقات اجتماعية إلى ما وراء دائرة الولاء القبلي، وتعتبر أولئك الذين يقيمون خارج الدائرة القبلية أجانب لا ولاء يربطهم بمجتمع القبيلة.
ولذلك شكلت هذه القيم والولاءات العصبية عقبات ضخمة أمام تطبيق روابط الدائرة العالمية التي اتصف بها المجتمع الإسلامي الجديد، وأثرت تأثيرا سلبيا في مستقبل الأمة المسلمة، وحالت دون تطورها ونضج مؤسساتها. وحين كانت قيم العصبية القبلية هذه تضطر إلى التعايش مع قيم الإسلام العالمية، كانت تركز على الأشكال دون الأعمال، وعلى الشعائر الفردية دون المظهر الاجتماعي للعبادة، وتنفق القيم الإسلامية لدعم ولاءاتها العصبية، ولذلك وصف القرآن الكريم أصحاب هذه القيم العصبية بأنهم لَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ التوبة: 97، أي هم غير مؤهلين لفقه القيم التي أنزلها، وإفراز النظم اللازمة للطور العالمي الذي وقفت البشرية على أعتابه، وجاءت قيم الإسلام لترشدهم إلى عبوره.
ولذلك كان التحدي الأكبر الذي واجهه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى
المدينة وشروعه في بناء أمة عالمية، يتعايش فيها مختلف الأجناس والأعراق، هو قيم العصبية القبلية. ولقد اتخذت جهوده لمجابهة هذا التحدي مظاهر عدة، منها:
المظهر الأول: هو تزكية أعضاء الأمة الإسلامية الجديدة من قيم العصبية القبلية؛ باعتبارها قيما نتنة بالية لا تصلح لهم بحال، وتنظيم علاقاتهم طبقا لقيم التقوى الملائمة لطور العالمية الجديد.
والثاني: هو التحذير من الردة إلى قيم العصبية القبلية، وإدراج هذه الردة في قائمة الكبائر المخلدة في النار [1] .
(1) صحيح البخاري، باب الفتن. صحيح مسلم، باب الإمارة، مسند أحمد، ج 1، ص 409، 430. سنن النسائي، كتاب البيعة، وكتاب الزينة.