والثالث: التنبيه إلى دور قيم العصبية في فتن المستقبل، وما ستجره على الأمة المسلمة من كوارث ومذابح ودمار، وهو ما تقدم تفصيلاته الأحاديث النبوية، الواردة تحت كتاب الفتن، في مصنفات الحديث المختلفة [1] .
ولذلك كانت تزكية المجتمع المدني من قيم العصبية القبلية، والانتقال به إلى قيم التقوى العالمية، محورا أساسيا من محاور التربية في صدر الإسلام، ولقد ظل التحذير من قيم العصبية أحد العناصر الرئيسة في منهاج الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى أن لخص جهاده ضد الجاهلية العربية في خطبة فتح مكة فقال: (( إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب ) ) (3) [2] .
ولكن ثقافة العصبية وقيمها، عادت للإمساك بدفة المجتمع بعد الخلافة الراشدة، أي بعد انقضاء جيل الصحابة الذي رباه الرسول؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور التناقض بين المبادئ الإسلامية الداعية إلى مساواة الشعوب والأجناس، وبين التطبيقات السياسية واجتماعية التي قسمت المسلمين إلى عرب وموال، وفتحت باب الانقسامات في الأمة المسلمة، بنسبة التراجع الذي توالى من القيم الإسلامية العالمية إلى قيم الشعوبية والقبلية.
ولقد ابتدأت هذه الردة العصبية في الثقافة والقيم، ابتداء من امساك الأمويين بقيادة الدولة الإسلامية، وحلول الملك محل الخلافة - كما يرى ابن تيمية - (4) [3] . ثم توالت مضاعفات هذه الردة حتى أفرغت مفهوم الأمة من محتواها الإسلامي، وأحلت محله محتوى العصبيات القبلية والشعوبية، مما نال من وحدة الأمة الإسلامية، وفتح أمامها أبواب الفتن والانقسامات المتتالية.
كذلك حالت هذه الردة للثقافة القبلية والقيم العصبية دون تطور المؤسسات السياسية والإدارية والتشريعية الملائمة لطور العالمية، فحالت دون رسوخ قيم الشورى، والقيادة الجماعية، ومسؤولية الحاكم أمام المحكومين، وأنعشت الحكم المطلق والملكية الاقتصادية المطلقة، والفردية، والارتجال، ولونت أشكال الإعلام والممارسات السياسية على جميع المستويات.
ولقد كان لهذه الردة العصبية آثارها في الشكل الذي اتخذته مؤسسات التربية الإسلامية؛ إذ انحرفت هذه المؤسسات عن هدف إخراج الأمة المسلمة وتطويرها، والارتقاء بمفهومها ومؤسساتها، طبقا للحاجات والتحديات، وحل محل ذلك ظاهرتان:
(1) الجامع الصغير للسيوطي، رقم 13.
(2) ابم هشام، ج 4 القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، بلا تاريخ، ص 41.
(3) ابن تيمية، كتاب قتال أهل البغي، ج 35، ص 19 - 20.