الصفحة 76 من 94

الأولى: إن مؤسسات التربية الرسمية لم تتوجه لتوليد العلوم والمعارف اللازمة لتنظيم شبكة العلاقات اجتماعية وتطوير مؤسساتها بما يتفق مع الأصول الإسلامية في القرآن والسنة، وإنما زاغت بتأثير قيم العصبيات القبلية

لتركز في مناهجها على ثقافة القبيلة التي توجه للدوران في فلك الأشخاص الأقوياء، ولتبرير ممارساتهم، والإشادة بالمنجزات المنسوبة إليهم.

والظاهرة الثانية: هي تركيز المؤسسات التربوية - التي لا تدور في فلك الدولة - على تربية فرد معطل الفاعلية، ينسحب من تيار الحياة الجارية، ويجسد صورة الدرويش الذي يقف موقفا سلبيا من تيار الاجتماع البشري، ويظل طوال عمره يعاني من الظلم والفاقة، منتظرا الرحيل إلى العدل والنعيم الأخرويين!!.

وكانت المحصلة لذلك كله هي حصر عمل المؤسسات التربوية والعلمية في (( فقه العبادات ) )وتكرار نسخه واستظهاره جيلا بعد جيل؛ مما أفرز آلاف المجلدات في فقه الطهارة والحيض والنفاس والطلاق والعدة، بينما لم يزد الفقه المتعلق بالعلوم السياسية وفقه الاجتماع البشري والنظم الإدارية والتشريعية وصلات الحاكم بالمحكوم وتوزيع الثروات العامة والعمل الجماعي عن أصابع اليدين. ومن أمثالها (( الأحكام السلطانية ) )للماوردي، مع ما فيه من المآخذ والانتقادات المتعلقة بمحتوياتها التي تبرز إطلاق أيدي أصحاب السلطان، وتعدد القايدات، والاستيلاء على القيادة والمراكز بالقوة وغير القوة

جـ - أهمية إخراج الأمة المسلمة:

الإطار العام الذي يحدد أهمية إخراج الأمة المسلمة، ويحدد مكوناتها هو قوله تعالى: نَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) الأنفال: 72 - 75.

هكذا يبدو واضحا من الآية الأولى (رقم 72) أن الترية الإسلامية لا تتوقف عند إعداد الأفراد المؤنين، وإنما تتخذ من هذا الإعداد وسيلة لهدف آخر، هو إخراج أمة المؤمنين التي يتلاحم أفرادها عبر شبكة من الروابط اجتماعية التي تندرج تحت أسماء: الهجرة، والجهاد، والإيواء، والنصرة، والتي تكون محصلتها النهائية هي الولاية، أي أن يتولى كل عضو رعاية شؤون الأعضاء الآخرين. أما الأفراد المؤمنون الذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت