الصفحة 77 من 94

يبقون خارج مهجر الأمة المؤمنة، فهؤلاء لا فاعلية لإيمانهم، ولا روابط، ولا ولاية بينهم وبين أمة المؤمنين.

ومع أن الآيات المذكورة أعلاه تتضمن - كما قلنا - أهمية إخراج الأمة المسلمة، وتتضمن المكونات الرئيسة لهذه الأمة، إلا أن الحديث في هذا الفصل سوف يقتصر على أهمية إخراج الأمة المسلمة، بينما يؤجل الحديث عن مكوناتها إلى الباب الذي يليه.

أما مظاهر هذه الأهمية فهي كما يلي:

الأهمية الأولى: هي ما تنبه إليه الآية الثانية (آية 73 من السورة) حول الأضرار التي تنجم عن عدم إخراج الأمة المسلمة. وتتمثل هذه الأضرار في ضررين رئيسيين هما:

الضر الأول: هيمنة قيم الكفر في الارض، وإخراج أمة الكفر، حيث لا يقتصر الكافرون على ممارسة كفرهم كأفراد متناثرين، وإنما يجتمعون في أمة يوالي بعضها بعضا. فإذا لم تقم أمة الإيمان؛ فسوف تتولى أمة الكفر القيادة في الأرض، وتهيمن على مقاليد التوجيه والتخطيط والتنفيذ، في كل ما يتعلق بشؤون السلم والحرب سواء.

والضرر الثاني: إن انتقال القيادة العالمية إلى أمة الكافرين، سوف يؤدي إلى استغلال خزائن الله من المقدرات البشرية والمادية استغلالا سيئا، ثم يكون من نتائج هذا الاستغلال السيئ ملء الأرض بالفتن والفساد الكبير: فتن في ميادين السياسة، وفساد في ميادين الاجتماع، وتشيع الصراعات والحروب الداخلية أو الإقليمية أو العالمية، وينتشر الفساد الكبير الذي يتمثل في الانهيارات الأخلاقية، وشيوع التحلل والفواحش، وانتشار الفلسفات والأفكار الهدامة وغير ذلك.

ولو نظرنا في أحداث التاريخ - الذي هو بعض من مظاهر آيات الله في الأنفس - لوجدانا براهين بينة ناصعة لهذا التقرير الذي ساقته الآية عن نتائج إخراج أمة المؤمنين، أو هيمنة أمة الكافرين، فحين أخرجت الأمة المسلمة وأحكمت روابط الولاية فيها، كانت نتيجة ذلك هزيمة أمم الكفر، التي مثلتها آنذاك أمثال فارس والروم. أما حين انحسرت التربية الإسلامية، لتقتصر على إعداد الأفراد المسلمين، الذين يعتزلون الدنيا وينتظرون الرحيل إلى العدل الأخروي، فقد نسي المسلمون - أنفسهم - مفهوم الأمة المسلمة، واختفت مكوناتها من مناهج التربية وأنشطتها، وتفككت الأمة المسلمة القائمة، واحتلت مكانها أمم غير مؤمنة، تسلمت القيادة العالمية، وملأت الأرض بالفتنة والفساد الكبير، وصار المسلم يشد الرحال إلى أمم الكفر، ليتعلم في مؤسسات كيفية إخراج الأمم، وبناء المجتمعات على النمط الذي تحدده له هذه المؤسسات وأهدافها في التبعية والاستعمار، وإشاعة الفتنة والفساد الكبير.

والأهمية الثانية لقيام أمة المؤمنين: هي ما توجه إليه الآية الثالثة (آية 74 من السورة) حول الفائدة والمنافع التي تترتب على إخراج الأمة المسلمة، وهي ثلاث فوائد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت