الصفحة 78 من 94

الفائدة الأولى: تجسيد الإيمان في جنسية مميزة، وهوية خاصة، وفي حضارة إسلامية لها ثقافاتها ونظمها اجتماعية، وتطبيقاتها في ميادين السلوك والقيم والعادات والتقاليد الممتدة عبر الزمان والمكان؛ ولذلك وصفت الآية بأن أفراد الأمة المسلمة، المجاهدين المتآوين، المتناصرين في مهجر واحد، هم المؤمنون حقا؛ لأنها لا تتمكن من أن تعيش إيمانها في جنسية متميزة، وتطبيقات اجتماعيةلها ثقافاتها ولغتها ونظمها اجتماعية والاقتصادية والتربوية، ولها قيمها وعاداتها وتقاليدها وأخلاقها. وبالتالي لا تفرز حضارة متميزة تنحدر عبر التاريخ وتشد إليها الرحال، ليتعلم الناس في مؤسساتها التربوية والادارية كيفية الحفاظ على النوع البشري ورقيه. وإنما تذهب جهود هذه الأقليات هدرا في روافد أمة غير مسلمة، ثم تذوب وتختفي بعد جيل أو جيلين؛ ولذلك لن يكون قبول حياة الأقلية إلا ضرورة مؤقتة، حتى ينجح العلم الإسلامي الصائب في إيجاد مهجر تقوم فيه أمة المؤمنين، فإذا قامت، صارت حياة الأقلية رضى بالاستضعاف في الأرض، وظلما للأنفس، ووضعها في بيئات مرهقة للإيمان، تهدد بذهابه والانتهاء بأصحابه إلى عقوبة الله.

ولذلك حدد القسم الثاني من الآية الأولى العلاقة بين الأمة المسلمة والاقليات المسلمة المتناثرة خارج دار الهجرة، بان أفرغ هذه العلاقة من الولاء والولاية، أي عدم المسؤولية عن الاقليات، إلا ما كان من نصرتها إذا تعرضت لاضطهاد ديني من قبل أمم لا تربطها بالأمة المسلمة مواثيق ولا معاهدات.

وإن الباحث ليلمح في هذه العلاقة السلبية بين الامة المسلمة والأقليات المسلمة خلق نوع من الأوضاع القلقة غير المريحة، التي تجبر الأقليات المذكورة على الهجرة، إلى مهجر أمة المؤمنين.

والفائدة الثانية: هي الاستقرار الاجتماعي والاستقرار السياسي المشار إليهما چ لهم مغفرةچ. فالمغفرة هي تجنيب الأمة المسلمة عقوبات أخطاء الأمم.

وعقوبات الأمم في القرآن الكريم متنوعة، منها: ثوران الاحقاد الداخلية، أو إشاعة الفتن والحروب في الداخل، أو تسليط الغواة من الخارج:

قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ الأنعام: 65.

{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} [الإسراء: 5] .

والفائدة الثالثة: هي الازدهار الاقتصادي المصحوب بالتماسك الاجتماعي والعلاقات الكريمة بين طبقات الأمة وأفرادها، والمحافظة على كرامة الأمة وعلى قيمها وأخلاقها في الداخل، وسمعتها التاريخية في الخارج، فالأمة المؤمنة رزقها رزق كريم، يحفظ كرامات الأفراد رجالا ونساء، فلا تضطرهم لقمة العيش إلى التفريط في كراماتهم وحرماتهم، ولا إلى تجارة الفواحش والمنكر. وهو رزق كريم يحفظ كرامة الأمة التاريخية، فلا يلطخ سمعتها ويصمها بعار الغزو والاستعمار، والتسلط والاحتلال، وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت