يحفظ كرامتها الحضارية، فلا يضطرها إلى ممارسة الفضائح، ونقض المواثيق، والتآمر على الأصدقاء، وإيثار المنافع المادية على علاقات الرقي الحضاري. وهو رزق كريم يحفظ كرامة الأمة اجتماعية، فلا تحتاج إلى تقدمة أعراضها ونسائها كراقصات ومغنيات في أماكن اللهو والفاحشة، لتجلب السائحين وطالبي المتعة المحرمة الضارة!
وأخيرا هو رزق كريم يحفظ للأمة المسلمة كرامتها عند الله، ويمنحها كرامة الدرجات العلى في الآخرة، سواء في المنزلة أو في المأوى.
والأهمية الثالثة لقيام أمة المؤمنين: هي ما توجه إليه الآية الرابعة (آية 75 من السورة) من خلال الإشارة إلى أن الأمة المسلمة هي مجتمع مفتوح غير مغلق. فباب الهجرة إليه مفتوح، والانضمام إليه له شرط واحد فقط هو الإيمان والمشاركة في حمل الرسالة، مع مراعاة روابط الأرحام بين المهاجرين في جميع الأزمان، حتى لا يؤدي اختلاط المهاجرين بدون ضوابط إلى التفكك الاجتماعي، فالله عليم بقوانين الاجتماع السليم وغير السليم وبالنتائج الحسنة أو السيئة.
وبسبب هذه الأهمية - لإخراج الأمة المسلمة - أدرك رجالات الأمة الإسلامية الأوائل أهمية إخراج الأمة المسلمة ومتطلبات العضوية فيها. من ذلك ما قاله عمر بن الخطاب حين قرأ قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} آل عمران: 110. قال: (( يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلكم الأمة؛ فليؤد شرط الله فيها ) ) (1) [1] .
والأهمية الرابعة لمفهوم الأمة الذي تطرحه التربية الإسلامية، هي أهمية كبرى بالنسبة إلى التربية الحديثة والعاملين في ميادين التطوير التربوي في المجالين الإقليمي والدولي. والغفلة عن هذه الأهمية سوف تكون هدرا كبيرا لمصدر أساسي من مصادر التربية الدولية (Global Education) التي تتطلع المؤسسات التربوية العالمية إلى بنائها وإشاعتها. ذلك أن مفهوم الأمة يلائم المرحلة الجديدة التي وقفت البشرية على أبوابها ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم أصبحت معالم هذه المرحلة واضحة جلية في زماننا - زمن سرعة المواصلات والتكنولوجيا - حيث إنهارت مفاهيم القوم (People) والشعب (Nation) ، وأخذت الحدود بين المواطن تتهدم، والروابط الدموية تتمزق، واختلطت البشرية اختلاطا شديدا من خلال الأسفار العالمية، والتجارة العالمية، والتبادل الثقافي العلمي، والزواج العالمي، ووجدت المجتمعات الحديثة نفسها بلا روابط دموية ولا روابط جغرافية، ولا بروابط ثقافية واجتماعية. بل إنه لتعاد خلخلة المجتمع الواحد، ثم تشكيل كل منها مرة كل يوم أو كل أسبوع، من حيث الجنسيات والتجمعات التجمعات البشرية، حيث يرحل أناس ويحل آخرون.
(1) الطبري، التفسير، ج 4، ص 43 - 44.