الصفحة 83 من 94

وكانت محصلة ذلك كله أن تحولت الأقطار العربية والإسلامية إلى مستودعات سكانية استهلاكية، يتكدس فيها نوعان من البشر: أقلية مترفة تقوم بدور وكلاء الشركات العالمية، وتقيم في أحياء نظيفة مطرزة بالقصور والفلل والبيوت الفخمة، المحمية بقوانين البناء وبوليس الحراسة. وأكثرية مستضعفة تتكدس في الأكواخ وشقق عمارات الأحياء الفقيرة - القذرة.

وليس هناك من ثقافة تجمع هذه الأكداس البشرية إلا ما كان من إدمان الاستهلاك للمنتوجات الرأسمالية، وترنح الرجال والنساء والولدان في أسواقها ومطاعمها وفنادقها ومتنزهاتها، لمدة 24 ساعة، في حلقات صوفية مادية جديدة نشيدها:

المال الحي ... المال الأكبر

اجمعوا أكثر استهلكوا أكثر

أكثر أكثر أكثر أكثر [1]

ومن الطبيعي - حسب نظم الرأسمالية الاستهلاكية القائمة التفاوت بين الأجور والنفقات - أن يعجز دراويش الاستهلاك عن توفير الأثمان التي تشبع هذا الإدمان، وأن يلجؤوا إلى الديون وشراء التقسيط، ورهن الرواتب والممتلكات؛ الأمر الذي ينقلهم أفواجا أفواجا إلى رق الرأسمالية؛ ولذلك تتحطم أسرهم وتتقطع أرحامهم، وتتضاعف انهياراتهم الأخلاقية واجتماعية، التي لا تنفع معها التربية ولا المواعظ الدينية ولا أعمال البر والصدقة. وحين تنتهي بهم مضاعفات الاستهلاك إلى امراض التخمة والهم والتوتر، تتلقفهم مستشفيات الرأسمالية وصيدلياتها التي تتقاضى منهم أجورا خيالية، فإذا شفوا عادوا للعمل والاستهلاك في أسواق الرأسمالية ... وتبدا الحلقة المفرغة من جديد، ثم لا تجد عينا تبصر او أذنا تسمع أو قلبا يعي المواعظ التي تصيح بقوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} الإسراء: 27!.

لا تسلني كيف ألفيت المدينة

حانة اللهو ودنيا الضائعين

لقطاء للحضارات الزنيمة

غرهم زيف كوهم الواهمين

اتخذوا القرش إلها للسجود

غير ان القرش رب من سلالات اليهود

كلما قاموا له عند الصلاة

هتك الستر وداس المحرمات

(1) حين انتقلت من القرية وشاهدت هذا الإدمان الاستهلاكي ومضاعفاته في المدينة، كتبت آنذاك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت