الصفحة 85 من 94

ثانيا: تواضع المنتصر ورحمته:

والمدرسة العسكرية المسلمة تربي جندها على فهم معين خلاصته أن النصر من عند الله والله هو المنتصر والذين ينصرهم الله يحققون"الغلبة"على عدوهم ولذلك اينما وردت كلمة النصر في القرآن الكريم تأتي مقترنة بلفظ الجلالة"الله"وتعرضه كأنجاز الهي، أما البشر فتنسب لهم"الغلبة"مثل قوله تعالى في سورة الروم"غلبت الروم في ادنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنيين" (الروم) .

ولذلك تربي المدرسة العسكرية المسلمة الجند على التواضع عند النصر، والاستغفار من خطرات النفوس في ادعاء هذا النصر، وعلى الرحمة عند الظهور على الأعداء، وفي ذلك قيمة وخلق إسلاميان، يمنعان العسكرية الإسلامية من إرسال الضابط والجندي المسلم للتربية في معاهد المدرسة العسكرية الحديثة، التي تلقن خريجيها حين يظفرون بالأعداء وينتصرون عليهم، أن يدخلوا ديارهم ليشربوا نخب النصر خمرا تتضارب كؤوس شاربيه، وينتصبون طغاة تغنيهم القيان وتحيط بهم الراقصات، وتصدح في آذانهم المعازف. ولقد أطلقها القرآن الكريم قوية مدوية في آذان الفئة المؤمنة التي انتصرت في بدر، أن تحذر تقليد البطر القرشي حين خرج على رأسه أبو جهل وهو ينادي: والله لا نرجع حتى نرد بدرا ونقيم ثلاثا ونشرب الخمر، وتغنينا القيان والمعازف، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا.

نعم لقد نهى القرآن الكوكبة المؤمنة عن تقليد البطر القرشي، وأرسى قواعد الزحف عند أمثال قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الأنفال: 47 - 48.

ونهى المسلمين ألا يتصاعد بهم البطر ويطلقوا شعارات التشفي وعبارات الفخر وأفعال الإنتقام عند دخول ديار الأعداء منتصرين فاتحين، واستبدلهم بذلك استغفارا من رؤية حظوظ النفس، وأن يحمدوا الله متجردين من حمد القادة والزعماء ونسبة النصر إليهم. . {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} النصر: 1 - 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت