الصفحة 86 من 94

وهذا ما تأوله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يدخل مكة حانيا رأسه حتى بلغت لحيته سرته، وعيناه تذرفان الدمع، مسبحا باسم الله مستغفرا، حتى إذا التقى بجموع قريش المهزومة الذليلة، قال لهم: (( إذهبوا فأنتم الطلقاء ) )، لم يعتقل الخصوم، ولا ارتكب المجازر البشرية، ولا هتك الحرمات. ولا صادر الممتلكات وانما أطل عليهم مداعبًا:"ما تظنون اني فاعل بكم؟ قالوا: اخ كريم وابن اخ كريم فقال: اذههبوا فانتم الطلقاء."

وهو كذذلك ما استلهمه عمر بن الخطاب وهو يقدم إلى الشام بعد فتحها، ويرفض البرذون واللباس الجميل الذي قدمه له المسلمون الفاتحون؛ مجاراة لقيم السكان المقيمين، ويكتفي بدراعته المرقعة، ويدخل القدس ماشيا وخادمه راكب.

وهذا أيضا ما اقتدى به صلاح الدين وهو يسترجع القدس ممن خاضت ركب خيولهم في ساحات الاقصى بدماء المصلين والعلماء، وطلبة العلم، والعباد المجاورين.

ثالثا - تحذير الجندي المسلم من موالاة الذين سماهم القرآن الكريم الآلهة الأنداد:

والأنداد - عند ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب - هم القادة والزعماء الذين أقاموا من أنفسهم أندادا لله، فأجبروا الجند والرعية على طاعتهم فيما يغضب الله، وأحلوا الحرام، وحرموا الحلال. والأنداد هم أحد ثالوث الولاء الذي ابتدعته المدارس العسكرية في الغرب والشرق، ولوثت عقل الجندي بالشرك، وضربت إرادته بالعمى.

رابعا - تحرص العسكرية الإسلامية على أن تكون الطاعة للقائد أو الزعيم ما أطاعا الله سبحانه وتعالى، فإن عصيا الله فلا طاعة لهما على الجندي المسلم:

وهذا يعني وضوح الهدف عند القائد والمقود. وهذا أصل من أصول العسكرية الإسلامية عبر عنه الصحابي المجاهد خالد بن الوليد حين جاء قرار العزل عن القيادة في معركة اليروموك فقال قولته المشهورة: أنا لا اقاتل من أجل عمر، لقد قضت على هذا النموذج من الجندية المؤمنة المدرسة العسكرية التي استوردتها المؤسسات العسكرية في الأقطار الإسلامية من نظائرها في الغرب، التي سنت نظرياتها العسكرية من تراث الرومان وتقاليدهم في عبادة الأباطرة الأحياء والأموات.

وكان من نتيجة هذا الاستيراد ان الغيت الغايات الإلهية، وألغيت الإرادة العازمة عند الجندي، ورسخت ثقافة القطيع، ونمت إرادة قتالية عمياء تقاتل تحت أي لواء، ويلبس أية قبعة مهما كان لونا ما دام صاحبه يدفع الجر، ويوفر الخدمات الطبية وتعليم الأبناء، مقابل البطش بالأمة إذا تظاهرت منادية بالتصدي لأعدائها حين يجوسون خلال الديار ليدمروا ما علوا تدميرا، وليستبيحوا الحرمات، ويقتلوا الأطفال والنساء والشيوخ، ويقتلعوا الأشجار، ويدمروا المقدسات.

خامسا - تحرص العسكرية الإسلامية على ان يكون ذكر الله هو صيحة الإنطلاق للجهاد، حين يعلن النفير وتبدأ المواجهة مع العدو؛ ليستمد الجندي عزيمته من الله؛ فتسمو أهدافه وترسخ مرابطته:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت