فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 150

قال الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفِيهِ بَعْثُ السُّعَاةِ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ وَقَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ. [1]

الدَّلِيلُ الثَّالِثُ:

عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» . [2]

في هذا الحديث دليل على وجوب الأخذ بخبر الواحد، وأنه يفيد العلم والعمل معًا؛ لأنه ً أمر بحفظ كلامه وتبليغه للناس، ولو لم يجب العمل بخبر الواحد لَا يَأْمُرُ مَنْ يُؤَدِّي عَنْهُ، لا سيما والحديث عن الفرد الواحد «امْرَأً سَمِعَ» ، ولو كانت الحجة لا تقوم إلا بجمع كثير لقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَضَّرَ اللَّهُ جماعة سَمِعوا مِنَّا .. الخ فدل ذلك على وجوب تصديق الواحد فيما أخبر به والعمل بما ثبت عنه وأن خبره يفيد العلم اليقيني.

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَلَمَّا نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى اسْتِمَاعِ مَقَالَتِهِ وَحِفْظِهَا وَأَدَائِهَا أَمَرَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا وَلَوْ وَاحِدٌ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ مَنْ يُؤَدِّي عَنْهُ إِلَّا مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ أَدَّى إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَدَّى عَنْهُ حَلَالٌ يُؤْتَى، وَحَرَامٌ يُجْتَنَبُ وَحَدٌّ يُقَامُ، وَمَالٌ يُؤْخَذُ وَيُعْطَى، وَنَصِيحَةٌ فِي دِينٍ وَدُنْيَا. [3]

وقال ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْمَقْصُودُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ لَوْ لَمْ يُفِدْ عِلْمًا لَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِمَّنْ أَدَّى إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ الَّذِي لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ إِلَّا بِخَبَرِهِمْ، وَلَمْ يَدْعُ لِلْحَامِلِ الْمُؤَدِّي وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا؛ لِأَنَّ مَا حَمَلَهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، فَلَمْ يَفْعَلْ مَا يَسْتَحِقُّ الدُّعَاءَ وَحْدَهُ إِلَّا بِانْضِمَامِهِ إِلَى أَهْلِ التَّوَاتُرِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا نَدَبَ إِلَى ذَلِكَ وَحَثَّ عَلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ أَدَّى إِلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يُفِدِ الْعِلْمَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ. [4]

(1) - فتح الباري لابن حجر - (3/ 360)

(2) - رواه أبو داود - كِتَاب الْعِلْمِ، بَابُ فَضْلِ نَشْرِ الْعِلْمِ، حديث رقم: 3660 بسند صحيح

(3) - الرسالة للشافعي - (1/ 403)

(4) - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - (ص: 583)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت