كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. [1]
ومثال ذلك أيضًا قول الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} . [2]
فإن لفظ: {صِيَامٍ} ولفظ: {صَدَقَةٍ} ولفظ: {نُسُكٍ} ، كل واحد منها ورد مطلقًا في الآية، لأن كل واحد منها نكرة وردت في سياق الإثبات، والنكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، والمعني لو صام مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ أي صيام ولو كان يوما واحدًا لأجزأه، ولو تصدق بأي صدقة لأجزأه ذلك، ولك أتت السنة لتقيد هذا الإطلاق في الآية؛ فعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ لَهُ: «آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «احْلِقْ رَأْسَكَ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ، عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ» . [3]
قدمنا أَنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ، وتفصل مجمله وتخصصه عامه، وتقيد مطلقه وهذا بَيَانٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ السُّنَّةَ فيها زِيَادَةٌ عَلَى حُكْمِ الْكِتَابِ كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَالْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
مثال ما في السنة من أحكام زائدة على القرآن:
ومن الأحكام الزائدة في السنة على ما في القرآن، تَحْرِيمُ لَحْمِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَ تَحْرِيمُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبَاعِ، وَتَحْرِيمُ أخذ لُقَطَةُ المُعَاهِدِ، ووجوب قرى الضيف؛ لما ثبت عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ،
(1) - رواه البخاري- كِتَابُ التَّيَمُّمِ، بَابٌ: المُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا؟، حديث رقم: 338
(2) - سورة الْبَقَرَةِ: الآية/ 196
(3) - رواه البخاري- كِتَابُ المَغَازِي، بَابُ غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ، حديث رقم: 4190، ومسلم- كِتَابُ الْحَجِّ، بَابُ جَوَازِ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا كَانَ بِهِ أَذًى، وَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ لِحَلْقِهِ، وَبَيَانِ قَدْرِهَا، حديث رقم: 1201