لاشك أن في عدم قبول أخبار الآحاد في العقائد والصفات ردًا لكثير من الصفات الإلهية التي لم تثبت إلا من طريق الآحاد، وفي ذلك رد لكثير من مسائل الإعتقاد وقضايا الإيمان والكفر، أيضا كثير من الأحاديث اشتملت على مسائل عقدية وأحكام شرعية، ومن ذلك حديث معاذ بن جبل لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وقد تقدم معنا وحديث وفد عبد القيس وتقدم معنا أيضا، فهل يجوز العمل ببعض الحديث وترك بعضه وقد ثبت الحديث وصح سنده؟
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: أَحْمَدُ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ, الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَاصِّ:"الْأُصُولُ سَبْعَةُ: الْحِسُّ، وَالْعَقْلُ، وَمَعْرِفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعُ، وَاللُّغَةُ، وَالْعِبْرَةُ، فَلَا بُدَّ لِلْمُتَنَاظِرَيْنِ مِنْ مَعْرِفَةِ جُمَلِ ذَلِكَ، فَالْحَوَاسُّ خَمْسَةُ: السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ، وَاللَّمْسُ وَالْعَقْلُ: عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَغَرِيزِيٌّ، وَمُسْتَجْلَبٌ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَمُجْمَلٌ وَمُفَسَّرٌ، وَطَرِيقُ السُّنَّةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَمُتَوَاتِرٌ وَآحَادٌ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ, وَإِجْمَاعُ الْحُجَّةِ، وَاللُّغَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: فَمَجَازٌ, وَحَقِيقَةٌ، وَالْعِبْرَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَأَحَدُهُمَا: فِي مَعْنَى الْأَصْلِ لَا يُعْذَرُ عَالِمٌ بِجَهْلِهِ، وَالثَّانِي: ذَاتُ وُجُوهٍ وَشُعَبٍ، فَمَنْ أَنْكَرَ بَيِّنَةَ الْحِسِّ، أَنْكَرَ نَفْسَهُ، وَمَنْ أَنْكَرَ الْعَقْلَ أَنْكَرَ صَانِعَهُ، وَمَنْ أَنْكَرَ عُمُومَ الْقُرْآنِ أَنْكَرَ حِكْمَتَهُ، وَمَنْ أَنْكَرَ خَبَرَ الْآحَادِ أَنْكَرَ الشَّرِيعَةَ, وَمَنْ أَنْكَرَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ أَنْكَرَ نَبِيَّهُ, وَمَنْ أَنْكَرَ اللُّغَةَ أُسْقِطَتْ مُحَاوَرَتُهُ, لِأَنَّ اللُّغَاتِ لِلْمُسَمَيَّاتِ سِمَاتٌ, وَمَنْ أَنْكَرَ الْعَبْرَةَ أَنْكَرَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ". [1]
والشاهد قول ابْنِ الْقَاصِّ: وَمَنْ أَنْكَرَ خَبَرَ الْآحَادِ أَنْكَرَ الشَّرِيعَةَ.
قال ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ: فَصْلٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْعَلِيَّةِ، وَكَسْرِ طَاغُوتِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الَّذِينَ قَالُوا: لَا يُحْتَجُّ بِكَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
قَالُوا: الْأَخْبَارُ قِسْمَانِ: مُتَوَاتِرٌ وَآحَادٌ، فَالْمُتَوَاتِرُ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ السَّنَدِ لَكِنَّهُ غَيْرُ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ، فَإِنَّ الدَّلَالَةَ اللَّفْظِيَّةَ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ، وَبِهَذَا قَدَحُوا فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الصِّفَاتِ، وَالْآحَادِ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ، فَسَدُّوا عَلَى الْقُلُوبِ مَعْرِفَةَ الرَّبِّ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحَالُوا النَّاسَ عَلَى قَضَايَا وَهْمِيَّةٍ وَمُقَدِّمَاتٍ خَيَالِيَّةٍ سَمَّوْهَا قَوَاطِعَ عَقْلِيَّةً، وَبَرَاهِينَ
(1) - الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي - (2/ 37)