المذهب الْأَوَّلُ:
أن خبر الواحد الثقة يفيد العلم اليقيني مطلقًا مع العمل.
وهذا مذهب داود بن علي الظاهري، وابن حزم الأندلسي، والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن أسد المحاسبي، وأَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقَاصِّ، ونقل عن الإمام أحمد في رواية، وحكاه ابن خويزمنداد عن الإمام مالك، وجزم به الإمام الشافعي في كتاب اختلاف مالك، وابن السَّمْعَانِيِّ، وابن حجر العسقلاني.
قال ابن حزم: فصل هل يوجب خبر الواحد العدل العلم مع العمل أو العمل دون العلم؟
قال أبو محمد: قال أبو سليمان والحسين عن أبي علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي وغيرهم أن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوجب العلم والعمل معًا وبهذا نقول وقد ذكر هذا القول أحمد بن إسحاق المعروف بابن خويز منداد عن مالك بن أنس وقال الحنفيون والشافعيون وجمهور المالكيين وجميع المعتزلة والخوارج إن خبر الواحد لا يوجب العلم، ومعنى هذا عند جميعهم أنه قد يمكن أن يكون كذبًا أو موهومًا فيه واتفقوا كلهم في هذا، وسوي بعضهم بين المسند والمرسل، وقال بعضهم المرسل لا يوجب علمًا ولا عملًا، وقد يمكن أن يكون حقًا وجعلت المعتزلة والخوارج هذا حجة لهم في ترك العمل به، قالوا: ما جاز أن يكون كذبًا أو خطأً فلا يحل الحكم به في دين الله عز وجل، ولا أن يضاف إلى الله تعالى، ولا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يسع أحدًا أن يدين به، وقال سائر من ذكرنا: إنه يوجب العمل واحتج كل من ذكرنا بأن هذه صفة كل خبر واحد في جواز الكذب وتعمده، وإمكان السهو فيه وإن لم يتعمد الكذب. [1]
إلى أن قال: وإذا صح هذا فقد ثبت يقينًا أن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغًا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حق مقطوع به موجب للعمل والعلم معًا. [2]
وقال ابن خويز منداد في كتاب أصول الفقه - وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا واحد واثنان-: ويقع بهذا الضرب أيضًا العلم الضروري، نص على ذلك مالك. وقال أحمد في حديث
(1) - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم - (1/ 119)
(2) - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم - (1/ 124)