منهج سلف هذه الأمة مع ما ثبت أحاديث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان واضحا غاية الوضوح، وهو التسليم لكل ما أخبر به المعصوم صلى الله عليه وسلم والاستجابة لكل ما أمر والانتهاء عن كل ما نهى عنه وزجر، ولم يفرقوا أبدا بين ما ثبت متواترا وما ثبت بطريق الآحاد، ويكفى أن يقال لأحدهم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيكون ذلك حسما للنزاع، وقطعًا للخلاف، وقد أوردنا في ثنايا البحث جملة من القضايا التي حسمت بحديث للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسلم المخالف لما ورد من الحديث، وما أشترط لقبوله عددا من الرواة تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، حتى خرج على الناس بعض أهل البدع، ورأوا أنهم لا يسعهم ما وسع السلف من قبول الأخبار الصحيحة الثابتة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسموا الأحاديث إلى متواتر وآحاد، ثم بنوا على ذلك أن ما ثبت بطريق الآحاد لا يفيد العلم ولا يجب العمل به، وترتب على ذلك رد كل مسائل الاعتقاد التي ثبتت بطريق الآحاد، ومنها صفات الله تعالى، وترتب على ذلك أيضًا الدعوة إلى عدم قبول أحاديث الآحاد في الأحكام، ولا يخفى ما في ذلك من المجاهرة بمخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وضربوا بالآيات التي تأمر بطاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عرض الحائط، وتغافلوا عن الثابث قطعا من سيرته، والصحيح من سنته أنه كان يرسل الأفراد ليبلغوا الناس أمره ويدعونهم إلى دينه، وكان يشتمل ذلك على العقيدة والأحكام، وقد اغتر بذلك بعض العلماء، فظنوا أن هذا هو الدين الذي لا يجوز لأحد أن يعتقد سواه، وأن هذا هو الحق الذي لا يجوز لأحد أن يحيد عنه.
إن القائلين بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة يقولون في الوقت نفسه بأن الأحكام الشرعية تثبت بحديث الآحاد، وهم بهذا قد فرقوا بين العقائد والأحكام بلا بينة وبغير دليل، بل لا يكون المسلم ممتثلا أبدا ما أمر به وهو يعرض عليه الدليل الصحيح الثابت فينتقي منه أمرا يطيعه، وينبذه منه أمرًا وراء ظهره.
وكان من نتائج البحث هذا البحث:
1 -وجوب العمل بكل ما جاءت به السنة المطهرة إذا صح الحديث وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
2 -أن السُّنَّةَ تُخَصِّصُ عام القرآن، وتفصل مجمله، وتفسر مبهمه، وتقيد مطلقه، وتأتي بحكم جديد.