أول من قسم الحديث إلى متواتر وآحاد طائفةُ من أهل البدع، وإنما كتان مقصودهم بذلك، البحث عن ذريعة لرد الأحاديث الثابتة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليتوصلوا بذلك إلى طمس معالم الشريعة، والخروج من ربقة الأحكام الشرعية التي بنيت على هذه الأحاديث، وإنكار صفات الله تعالى تعالى فإن أغلب صفات الله تعالى إنما وردت في السنة النبوية وأكثر الأحاديث إنما جاءت عن طريق الآحاد، والمتواتر منها قليل جدًا.
قال الأستاذ عبد القاهر البغدادي: وَكَانَ الخياطي مَعَ ضلالته في الْقدر وفى المعدومات مُنكِرَ الْحجَّة في اخبار الْآحَاد، وَمَا اراد بإنكاره إلا انكار أكثر أحكام الشَّرِيعَة فإن أكثر فروض الْفِقْه مَبْنِيَّة على أخبار من أخبار الْآحَاد. [1]
وقال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ أَنْكَرَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ تَعَبُّدَ اللَّهِ بِالظَّنِّ وَجَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ، تَحَكُّمًا فِي الدِّينِ وَدَعْوَى فِي الْمَعْقُولِ. وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَصْلٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى لَمْ يَذُمَّ جَمِيعَهُ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الذَّمَّ فِي بَعْضِهِ. وَرُبَّمَا تَعَلَّقُوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ» . فَإِنَّ هَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ الظَّنَّ فِي الشَّرِيعَةِ قِسْمَانِ: مَحْمُودٌ وَمَذْمُومٌ، فَالْمَحْمُودُ مِنْهُ مَا سَلِمَ مَعَهُ دِينُ الظَّانِّ وَالْمَظْنُونِ بِهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ. وَالْمَذْمُومُ ضِدَّهُ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى:"إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ"، وقوله:"لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا". [النور: 12] وَقَوْلُهُ:"وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا" [الفتح: 12] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُ كَذَا وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا» . وَقَالَ: «إِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تَحَقَّقْ وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ وَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ. [2]
ومن هؤلاء الذين أنكروا قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ وَإِيجَابِ الْعَمَلِ بِهِ، أبو بكر بن كيسان الأصم.
(1) - الفرق بين الفرق - (ص: 165)
(2) - تفسير القرطبي - (16/ 332) ، والحديث رواه الطبراني في الكبير برقم: 3227، وابْنُ أَبِي عَاصِمٍ في الآحاد والمثاني-، حديث: 1962، والمحاملي في أماليه - حديث: 336، وأبو الشيخ الأصبهاني في التوبيخ والتنبيه - باب الأمر بفحش الطعن بالمسلمين، حديث: 145 بسند ضعيف وعزو الحديث لأبي داود وهم.