قال الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ في قول النَّبِيِّ صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلاَ أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ؟» ، دلالة على أنَّ خبر أم سلمة عنه مِمَّا يجوز قبوله، لأنه لا يأمرها بأنْ تخبر عَنْ النَّبِيِّ إلاَّ وفي خبرها ما تكون الحُجَّةُ لمن أخبرته. وهكذا خبر امرأته إِنْ كانت من أهل الصدق عنده. [1]
الدليل الثاني والعشرون:
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ, أَنَّ «عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَضَى فِي الْإِبْهَامِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِعَشْرٍ، وَفِي الْوُسْطَى بِعَشْرٍ، وَفِي الَّتِي تَلِي الْخِنْصَرَ بِتِسْعٍ، وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ» . [2]
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمَّا كَانَ مَعْرُوفًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي الْيَدِ خَمْسِينَ وَكَانَتَ الْيَدُ خَمْسَةَ أَطْرَافٍ مُخْتَلِفَةَ الْجَمَالِ وَالْمَنَافِعِ نَزَّلَهَا مَنَازِلَهَا، فَحَكَمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَطْرَافِ بِقَدْرٍ مِنْ دِيَةِ الْكَفِّ، وَهَذَا قِيَاسٌ عَلَى الْخَبَرِ، فَلَمَّا وُجِدَ كِتَابُ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ: صَارُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يَقْبَلُوا كِتَابَ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، حَتَّى ثَبَتَ لَهُمْ أَنَّهُ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي الحديث دلالتان: أحدهما: قبول الخبر، والآخر: أن يُقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه، وإن لم يمضي عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا."
ودلالةٌ على أنه مضى أيضًا عملٌ من أحد من الأئمة، ثم وَجَدَ خبرًا عن النبي يخالف عملَه لترك عمله لخبر رسول الله، ودلالةٌ على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده.
ولم يقل المسلمون قد عَمِل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافَه ولا غيرُكم، بل صاروا إلى ما وجب عليهم، من قبول الخبر عن رسول الله، وترك كل عمل خالفه.
ولو بلغ عمرَ هذا صار إليه - إن شاء الله - كما صار إلى غيره فيما بلغه عن رسول الله، بتقواه لله وتأديته الواجبَ عليه، في اتباع أمر رسول الله، وعلمه وبأنْ ليس لأحد مع رسول الله أمرٌ، وأن طاعة الله في اتباع أمر رسول الله. [3]
(1) - الرسالة للشافعي - (1/ 405)
(2) - رواه الشَّافِعِيُّ- كِتَابُ الْقَتْلِ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ وَالْقَسَامَةِ، بَابُ دِيَةِ الأَعْضَاءِ، حديث: 1661
(3) - الرسالة للشافعي - (1/ 422)