واختلف العلماء في العلم الحاصل بالتواتر هل هو ضروري أو نظري؟
قال أبو اسحاق الشيرازي: ولا يقع العلم الضروري بالتواتر إلا بثلاث شرائط:
إحداها: أن يكون المخبرون عددا لا يصح منهم التواطؤ على الكذب وإن يستوي طرفاه ووسطه فيروي هذا العدد عن مثله إلى أن يتصل بالمخبر عنه. وأن يكونا لخبر في الأصل عن مشاهدة أو سماع.
فأما إذا كان عن نظر واجتهاد مثل أن يجتهد العلماء فيؤديهم الاجتهاد إلى شيء لم يقع العلم الضروري بذلك. [1]
وقال السرخسي: ثمَّ الْمَذْهَب عِنْد عُلَمَائِنَا أَن الثَّابِت بالمتواتر من الْأَخْبَار علم ضَرُورِيّ كَالثَّابِتِ بالمعاينة.
وَأَصْحَاب الشَّافِعِي يَقُولُونَ الثَّابِت بِهِ علم يَقِين وَلكنه مكتسب لَا ضَرُورِيّ بِمَنْزِلَة مَا يثبت من الْعلم بِالنُّبُوَّةِ عِنْد معرفَة المعجزات فَإِنَّهُ علم يَقِين وَلكنه مكتسب لَا ضَرُورِيّ وَهَذَا لِأَن فِيمَا يكون ضَرُورِيًّا لَا يتَحَقَّق الِاخْتِلَاف فِيمَا بَين النَّاس وَإِذا وجدنَا النَّاس مُخْتَلفين فِي ثُبُوت علم الْيَقِين بالْخبر الْمُتَوَاتر عرفنَا أَنه مكتسب. [2]
وهذا الخلاف - إذا تأملناه - خلاف لفظي، إذ الجميع متفق على أن المتواتر يفيد العلم واليقين، وإنما اختلفوا في نوع هذا العلم: فمن نظر إلى أن العقل يضطر إلى التصديق به قال: إنه ضروري. ومن نظر إلى افتقار المتواتر إلى مقدمات - وإن كانت تلك المقدمات بدهية - قال: إنه نظري. [3]
والراجح أنه علم ضَرُورِيّ كَالثَّابِتِ بالمعاينة.
(1) - اللمع في أصول الفقه للشيرازي - (ص: 72)
(2) - أصول السرخسي - (1/ 291)
(3) - معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة - (ص: 138)