وإنما قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (لَتُقِيمَنَّ عَلَى هَذَا بَيِّنَةً أَوْ لَأَفْعَلَنَّ) . احْتِيَاطًا لِحِفْظِ السُّنَنِ، فإن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَرَى قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ بدليل قَبُولِهِ رِوَايَة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وقَبُولِهِ رِوَايَة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَمَّا جَاءَ سَرْغَ وَبَلَغَهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، وقَبُولِهِ رِوَايَة الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ، وقَبُولِهِ رِوَايَة حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ في دية الجَنِينِ، وقَبُولِهِ رِوَايَة الثَّقَفِيُّ الذي اسْتَفْتَاه في امَرْأَةٍ زَارَتِ الْبَيْتَ يَوْمَ النَّحْرِ، أَلَهَا أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ، وقَبُولِهِ رِوَايَة سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ في المَسَحِ عَلَى الخُفَّيْنِ، وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا إن شاء الله.
قال الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ: أَمَّا خَبَرُ أَبِي مُوسَى فَإِلَى الاحْتِيَاطِ، لأَنَّ أَبَا مُوسَى ثِقَةٌ أَمِينٌ عِنْدَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَىَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ بْنِ أَنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لأَبِي مُوسَى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمك، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . [1]
وَقال الخطيب البغدادي: لَمْ يَطْلُبْ عُمَرُ مِنْ أَبِي مُوسَى رَجُلًا يَشْهَدُ مَعَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ. وَكَيْفَ يَقُولُ ذِلِكَ، وَهُوَ يَقْبَلُ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَيَعْمَلُ بِهِ، وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيِّ فِي تَوْرِيثِ امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ، مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا. وَلَا فَعَلَ عُمَرُ أَيْضًا ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَّهِمُ أَبَا مُوسَى فِي رِوَايَتِهِ، لَكِنْ فَعَلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ مِنَ الِاحْتِيَاطِ لِحِفْظِ السُّنَنِ، وَالتَّرْهِيبِ فِي الرِّوَايَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [2]
قال ابن الملقن: وقد زعم قوم من أهل البدع أن طلب عمر أن يأتيه بمن سمع ذلك من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدل أن مذهب عمر رد قبول خبر الواحد العدل، وقد سلف رده، وهو خطأ في التأويل وجهل بمذهب غيره من السلف. وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث أن عمر قال لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ولكني أردت ألا يتجرأ الناس على الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ففيه من الفقه: التثبت في خبر الواحد؛ لما يجوز عليه من السهو وغيره، وحكم عمر في خبر الواحد أشهر من أن يخفى؛ قد قبل خبر الضحاك بن سفيان وحده في ميراث المرأة من دية زوجها، وقبل خبر حمل بن مالك الهذلي الأعرابي أن في دية الجنين غرة عبد
(1) - الرسالة - ص: 434
(2) - شرف أصحاب الحديث - (ص: 92)