ومن المتأخرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وكثير من محققي الفقه، والأصول والكلام من حنفية ومالكية وشافعية وحنابلة وغيرهم.
قال الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ: ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أحمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيت خبر الواحد، والانتهاء إليه، بأنه لم يُعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبَّته جاز لي، ولكنْ أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد بما وصفتُ من أن ذلك موجودًا على كلهم. [1]
فالشافعي عليه رحمة الله تحرج من اطلاق القول بالإجماع ورعًا منه، وإنما نفي الخلاف في وجوب الأخذ بخبر الواحد، وهذه طريقة الإمام أحمد أيضًا رَحِمَهُ اللَّهُ في التورع عن اطلاق القول بالإجماع.
أدلة أصحاب هذا القول:
استدل أصحاب هذا القول بجملة من الأدلة على أن خبر الواحد لايفيد العلم إلا إذا احتفت به جملة من القرآئن وسوف نناقش في هذا المبحث هذا الأدلة ونتناولها بالدراسة والرد عليها.
الدليل الْأَوَّلُ:
أن خبر الواحد إذا احتفت به القرآئن كان أبعد عن الخطأ، وأقرب للصواب.
قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الملخص: إِذا تلقت الْأمة الْخَبَر بِالْقبُولِ وصدقت بِهِ فَهُوَ دَلِيل على صِحَّته لقِيَام الدَّلِيل فِي انْتِفَاء الْخَطَأ من إجماعها وَلم يحك فِي ذَلِك خلافًا. [2]
وقال الخطيب البغدادي: فَأَمَّا الْمُسْنَدُ فَضِرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: يُوجِبُ الْعِلْمَ, وَهُوَ عَلَى أَوْجُهٍ: مِنْهَا: خَبَرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَخَبَرُ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْهَا: أَنْ يَحْكِيَ رَجُلٌ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا وَيَدَّعِيَ عِلْمَهُ فَلَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ فَيُقْطَعُ بِهِ عَلَى صِدْقِهِ وَمِنْهَا: أَنْ يَحْكِيَ رَجُلٌ شَيْئًا بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ، وَيَدَّعِيَ عِلْمَهُمْ بِهِ فَلَا يُنْكِرُونَهُ، فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ صِدْقُهُ
(1) - الرسالة للشافعي - (1/ 458)
(2) - النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي - (1/ 284)