أن خبر الواحد الثقة يفيد الظن ولا يفيد العلم، سواءً كان محتفًا بالقرآئن أم لا.
وقد قال بهذا المذهب جمع من العلماء منهم النووي، والعز بن عبد السلام، وابن عبد البر، وابن الأثير وغيرهم. فأصحاب هذا القول يرون أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ الشَّرْعِ وأنه يَجبُ الْعَمَلُ بِهِ ومع ذلك فإنه لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بل يُفِيدُ الظَّنَّ لاحتمال خطأ الراوي أو نسيانه، ويستوي في ذلك أحاديث الصحيحين وغيرهما، ولا يفيد العلم اليقيني إلا المتواتر من الحديث.
قال النووي رَحِمَهُ اللَّهُ: وَأَمَّا خَبَرُ الْوَاحِدِ فَهُوَ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شُرُوطُ الْمُتَوَاتِرِ سَوَاءٌ كَانَ الرَّاوِي لَهُ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ فَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْأُصُولِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ الشَّرْعِ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهَا وَيُفِيدُ الظَّنَّ وَلَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَأَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ عَرَفْنَاهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ وَذَهَبَتِ الْقَدَرِيَّةُ وَالرَّافِضَةُ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى أنه لا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَنَعَ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ دَلِيلُ الْعَقْلِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَنَعَ دَلِيلُ الشَّرْعِ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ جِهَةِ دليل العقل وقال الجبائى مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ إِلَّا بِمَا رَوَاهُ اثْنَانِ عَنِ اثْنَيْنِ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ إِلَّا بِمَا رَوَاهُ أَرْبَعَةٌ عَنْ أَرْبَعَةٍ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ دُونَ الْبَاطِنِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ إِلَى أَنَّ الْآحَادَ الَّتِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَوْ صحيح مسلم تُفِيدُ الْعِلْمَ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْآحَادِ وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الْقَوْلَ وَإِبْطَالَهُ فِي الْفُصُولِ وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ كُلُّهَا سِوَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ بَاطِلَةٌ وَإِبْطَالُ مَنْ قَالَ لَا حُجَّةَ فِيهِ ظَاهِرٌ فَلَمْ تَزَلْ كُتُبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآحَادُ رُسُلِهِ يُعْمَلُ بِهَا وَيُلْزِمُهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَمَلَ بِذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَمْ تَزَلِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى امْتِثَالِ خَبَرِ الْوَاحِدِ إِذَا أَخْبَرَهُمْ بِسُنَّةٍ وَقَضَائِهِمْ بِهِ وَرُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا وَنَقْضِهِمْ بِهِ مَا حَكَمُوا بِهِ على خِلَافَهُ وَطَلَبِهِمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ عِنْدَ عَدَمِ الْحُجَّةِ مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُ وَاحْتِجَاجِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ وَانْقِيَادِ الْمُخَالِفِ لِذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ مَعْرُوفٌ لاشك فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَالْعَقْلُ لَا يُحِيلُ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ يوجب العلم فهو