فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 150

المذهب الرابع:

أن خبر الآحاد لا يفيد العلم ولا العمل مطلقًا.

وقد قدمنا أن منشأ هذا القول من المبتدعة من الروافض والمعتزلة وغيرهم، ثم اغتر بزخرف هذا القول طوائف من أهل السنة، روجوا لهذا الباطل ونصروه، ولم يفطنوا إلى ما يؤول إليه الكلام من رد خبر الواحد وعدم الأخذ به في الأحكام وأنه لا يوجب العلم ولا العمل، ومنهم الفاشاني وابن أبي داود، وحكى عن النهرواني وإبراهيم بن إسماعيل بن علية، والجويني، وأبو بكر بن كيسان الأصم البصري، قال أبو بكر بن كيسان الأصم: (لو أن مائة خبر مجموعة قد ثبت أنها كلها صحاح إلا واحدا منها لا يعرف بعينه أيها هو قال فإن الواجب التوقف عن جميعها فكيف وكل خبر منها لا يقطع على أنه حق متيقن ولا يؤمن فيه الكذب والنسخ والغلط) . [1]

وقال الجويني رَحِمَهُ اللَّهُ: ثم أطلق الفقهاء القول: بأن خبر الواحد لا يوجب العلم ويوجب العمل وهذا تساهل منهم والمقطوع به: أنه لا يوجب العلم ولا العمل فإنه لو ثبت وجوب العمل مقطوعا به لثبت العلم بوجوب العمل وهذا يؤدي إلى إفضائه إلى نوع من العلم وذلك بعيد فإن ما هو مظنون في نفسه يستحيل أن يقتضي علما مبتوتا فالعمل بخبر الواحد مستند إلى الأدلة التي سنقيمها على وجوب العمل عند خبر الواحد وهذا تناقش في اللفظ ولست أشك أن أحدا من المحققين لا ينكر ما ذكرناه. [2]

وقال الجويني أيضًا: فأما خبر الواحد إن عد من مراتب السمعيات فلا نعني بذكره أنه يستقل بنفسه ولكن العمل عنده يستند إلى خبر متواتر وإلى إجماع مستند إلى الخبر المتواتر وكذلك القول في القياس. [3]

والعجب كل العجب كيف يصدر هذا الكلام عن مثل الإمام الجويني على جلالته، ومكانته، وغزارة علمه.

أدلة أصحاب هذا القول:

استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة سنذكرها إن شاء الله ثم نتعقبها بالرد عليها.

(1) - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم - (1/ 119)

(2) - البرهان في أصول الفقه - (1/ 228)

(3) - البرهان في أصول الفقه - (1/ 35)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت